الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠٨
الإمام محمد، و بعد ذلك ادعى النبوة لنفسه، و استحل المحارم، و غلا في حق عليّ رضي اللّه عنه غلوا لا يعتقده عاقل، و زاد على ذلك قوله بالتشبيه فقال: إن اللّه تعالى صورة و جسم ذو أعضاء على مثال حروف الهجاء [١]، و صورته صورة رجل من نور على رأسه تاج من نور، و له قلب تنبع منه الحكمة، و زعم أن اللّه تعالى لما أراد خلق العالم تكلم بالاسم الأعظم، فطار فوقع على رأسه تاجا. قال: و ذلك قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [٢].
ثم اطلع على أعمال العباد و قد كتبها على كفه، فغضب من المعاصي فعرق، فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما مالح، و الآخر عذب، و المالح مظلم، و العذب نير، ثم اطلع في البحر النير فأبصر ظله، فانتزع عين ظله فخلق منها الشمس و القمر، و أفنى باقي ظله و قال: لا ينبغي أن يكون معي إله غيري. قال: ثم خلق الخلق كله من البحرين فخلق المؤمنون من البحر النير، و خلق الكفار من البحر المظلم، و خلق ظلال الناس أول ما خلق، و أول ما خلق هو ظل محمد عليه الصلاة و السلام و ظل عليّ قبل خلق ظلال الكل، ثم عرض على السموات و الأرض و الجبال أن يحملن الأمانة [٣]، و هي أن يمنعن عليّ بن أبي طالب من الإمامة، فأبين ذلك.
ثم عرض ذلك على الناس، فأمر عمر بن الخطاب أبا بكر أن يتحمل منعه من ذلك، و ضمن له أن يعينه على الغدر به شرط أن يجعل الخلافة له من بعده، فقبل منه و أقدما على المنع متظاهرين، فذلك قوله تعالى: وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ
[١] فالألف منها مثال قدميه، و العين على صورة عينه، و شبّه الهاء بالفرج. (الفرق بين الفرق ص ٢٣٩).
[٢] سورة الأعلى: الآية ١.
[٣] قال ابن عباس: أراد بالأمانة الطاعة و الفرائض التي فرضها على عباده. عرضها على السموات و الأرض و الجبال على أنهم إذا أدّوها أثابهم و إن ضيّعوها عذّبهم.
و قال ابن مسعود: الأمانة أداء الصلوات و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و حج البيت و صدق الحديث و قضاء الدّين و العدل و أشدّ من هذا كلّه الودائع .. (لباب التأويل ٥: ٢٢٩).