الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٧
و قال بعضهم أيضا: تتعدد القدرة بعدد أجناس المحدثات. و أكثرهم على أنها تتعدد بعدد أجناس الحوادث التي تحدث في ذاته من الكاف و النون، و الإرادة، و السمع، و البصر، و هي خمسة أجناس.
و منهم من فسر السمع و البصر بالقدرة على التسمع و التبصر، و منهم من أثبت للّه تعالى السمع و البصر أزلا، و التسمعات و التبصرات هي إضافة المدركات إليهما.
و قد أثبتوا للّه تعالى مشيئة قديمة متعلقة بأصول المحدثات و بالحوادث التي تحدث في ذاته، و أثبتوا إرادات حادثة تتعلق بتفاصيل المحدثات.
و أجمعوا على أن الحوادث لا توجب للّه تعالى وصفا، و لا هي صفات له فتحدث في ذاته هذه الحوادث من الأقوال، و الإرادات، و التسمعات، و التبصرات، و لا يصير بها قائلا، و لا مريدا، و لا سميعا، و لا بصيرا، و لا يصير بخلق هذه الحوادث محدثا و لا خالقا، إنما هو قائل بقائليته، و خالق بخالقيته، و مريد بمريديته [١]، و ذلك قدرته على هذه الأشياء.
و من أصلهم أن الحوادث التي يحدثها في ذاته واجبة البقاء حتى يستحيل عدمها؛ إذ لو جاز عليها العدم لتعاقبت على ذاته الحوادث، و لشارك الجوهر في هذه القضية، و أيضا فلو قدّر عدمها فلا يخلو: إما أن يقدر عدمها بالقدرة، أو بإعدام يخلقه في ذاته، و لا يجوز أن يكون عدمها بالقدرة، لأنه يؤدي إلى ثبوت المعدوم
[١] زعموا أن كل اسم يشتق له من أفعاله، كان ذلك الاسم ثابتا في الأزل مثل الخالق و الرازق و المنعم.
و قالوا إنه كان خالقا قبل أن خلق، إذ هو خالق بخالقيته، ثم طردوا فقالوا عالم بعالمية قادر بقادرية لا بعلم و لا بقدرة و إن كان له علم و قدرة و عجب ما ابتدعوه من قائليه و خالقيه و مريديه فقد أحدثوا ألفاظا لم يتكلم بها عربي و لا عجمي و الأعجب أن زعيمهم ذكر في كتاب «عذاب القبر» كيفوفيّة اللّه، و ليت شعري كيف أطلق الكيف عليه و كأنه أراد أن يخترع لفظة تساير عقله المضطرب و تدلّ على ضلالته و جهالته. (راجع التبصير ص ٦٧ و الفرق بين الفرق ص ٢١٩ و ٢٢٠).