الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٣٥
و كم قد ساهلت القوم في الاحتياج، و قلت: أين المحتاج إليه؟ و أي شيء يقرره لي في الإلهيات؟ و ما ذا يرسم لي في المعقولات؟ إذ المعلم لا يعني لعينه، و إنما يعني ليعلم. و قد سددتم باب العلم، و فتحتم باب التسليم و التقليد، و ليس يرضى عاقل بأن يعتقد مذهبا على غير بصيرة، و أن يسلك طريقا من غير بينة.
و إن كانت مبادئ الكلام تحكيمات، و عواقبها تسليمات [١] فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ* ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [٢].
الفصل السابع أهل الفروع
المختلفون في الأحكام الشرعية، و المسائل الاجتهادية [٣].
(أ) اعلم أن أصول الاجتهاد و أركانه أربعة: الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و القياس. و ربما تعود إلى اثنين.
و إنما تلقوا صحة هذه الأركان و انحصارها من إجماع الصحابة رضي اللّه عنهم، و تلقوا أصل الاجتهاد و القياس و جوازه منهم أيضا؛ فإن العلم قد حصل بالتواتر أنهم إذا وقعت لهم حادثة شرعية، من حلال أو حرام، فزعوا إلى الاجتهاد، و ابتدءوا بكتاب اللّه
[١] راجع قواعد عقائد آل محمد ص ٩٧.
[٢] سورة النساء: الآية ٦٥.
[٣] الاجتهاد في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة و المشقّة. و أما في اصطلاح الأصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب العلم بشيء من الأحكام الشرعية، على وجه يحسّ من نفسه بالعجز عن المزيد فيه و للاجتهاد، أحكامه، فمنها الواجب العيني، و منها الواجب الكفائي. و يجب أن تتوفر في المجتهد شروط فمنها العدالة و هذا شرط لجواز الاعتماد على فتواه و منها أن يكون ملما عالما عارفا محيطا بمدارك الأحكام الشرعية و أقسامها و طرق إثباتها و وجوه دلالاتها على مدلولاتها و اختلاف مراتبها عارفا جهات ترجيحها عند تعارضها متمكنا من استشارة الظن بالنظر فيها و تقديم ما يجب تقديمه و تأخير ما يجب تأخيره عارفا كيفية استثمار الأحكام منها قادرا على تحريرها و تقريرها، و مدارك الأحكام و أدلّتها التفصيلية هي الكتاب و السنّة و الإجماع و القياس.