الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٣٨
فهذه خمسة شرائط لا بد من مراعاتها حتى يكون المجتهد مجتهدا واجب الاتباع و التقليد في حق العامي، و إلا فكل حكم لم يستند إلى قياس و اجتهاد مثل ما ذكرنا فهو مرسل مهمل.
قالوا: فإذا حصّل المجتهد هذه المعارف ساغ له الاجتهاد. و يكون الحكم الذي أدى إليه اجتهاده سائغا في الشرع، و وجب على العامي تقليده، و الأخذ بفتواه، و قد استفاض الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أنه لما بعث معاذا إلى اليمن قال: «يا معاذ، بم تحكم؟
قال: بكتاب اللّه، قال: فإن لم تجد، قال: فبسنّة رسول اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال:
أجتهد برأيي. فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: الحمد للّه الذي وفق رسول رسوله لما يرضاه» [١].
و قد روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال: «لما بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قاضيا إلى اليمن قلت: يا رسول اللّه! كيف أقضي بين الناس و أنا حديث السن، فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بيده على صدري و قال: اللهم اهد قلبه و ثبت لسانه، فما شككت بعد ذلك في قضاء بين اثنين» [٢].
١- أحكام المجتهدين في الأصول و الفروع
ثم اختلف أهل الأصول في تصويف المجتهدين في الأصول و الفروع.
فعامة أهل الأصول على أن الناظر في المسائل الأصولية و الأحكام العقلية اليقينيّة القطعية يجب أن يكون متعين الإصابة، فالمصيب فيها واحد بعينه، و لا يجوز أن يختلف المختلفان في حكم عقلي حقيقة الاختلاف بالنفي و الإثبات على شرط التقابل المذكور، بحيث نفي أحدهما ما يثبته الآخر بعينه من الوجه الذي يثبته، في الوقت
[١] أي أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أقرّ معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا عن اللّه و رسوله. (راجع أعلام الموقعين ١: ٢٤٣).
[٢] في أعلام الموقعين ص ٢٩٥: «و لما كان عليّ باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام. فقال كل منهم هو ابني فأقرع عليّ بينهم فجعل الولد للقارع و جعل علي للرجلين ثلثي الدية فبلغ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فضحك حتى بدت نواجده.