الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٠٦
و الحارث بن أسد المحاسبي، و هؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، و أيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، و براهين أصولية. و صنف بعضهم و درس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري و بين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح و الأصلح فتخاصما. و انحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، و صار ذلك مذهبا لأهل السنّة و الجماعة، و انتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية. و لما كانت المشبهة و الكرامية [١] من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية.
١- الأشعرية
أصحاب أبي الحسن [٢] علي بن إسماعيل الأشعري، المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنهما. و سمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري رضي اللّه عنه كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه. و قد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص و بينه، فقال عمرو: أين أجد أحدا أحاكم إليه ربي؟ فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه. فقال عمرو: أو يقدّر عليّ شيئا ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم. قال عمرو: و لم؟ قال: لأنه لا يظلمك. فسكت عمرو، و لم يحر جوابا.
قال الأشعري: الإنسان إذا فكر في خلقته، من أي شيء ابتدأ، و كيف دار في أطوار الخلقة طورا بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة، و عرف يقينا أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته، و ينقله من درجة إلى درجة، و يرقيه من نقص إلى كمال، علم بالضرورة أن له صانعا قادرا، عالما، مريدا، إذ لا يتصور حدوث هذه الأفعال المحكمة من طبع لظهور آثار الاختيار في الفطرة، و تبين آثار الإحكام و الإتقان في
[١] أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن كرام و سيأتي الكلام على الكرامية في موضعه.
[٢] هو أبو الحسن من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري: مؤسس مذهب الأشاعرة: كان من الأئمة المتكلّمين المجتهدين. قيل: بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب من أشهرها: مقالات الإسلاميين و اختلاف المصلّين. توفي سنة ٣٢٤ ه/ ٩٣٦ م. (راجع طبقات الشافعية ٢: ٢٤٥ و المقريزي ٢: ٣٥٩).