الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٤
و قد ورد في التوراة أن اللّه تعالى جاء من طور سيناء [١]، و ظهر بساعير [٢]، و علن بفاران [٣]. و ساعير جبال بيت المقدس التي كانت مظهر عيسى عليه السلام. و فاران:
جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى صلّى اللّه عليه و سلّم.
و لما كانت الأسرار الإلهية، و الأنوار الربانية في الوحي و التنزيل و المناجاة، و التأويل على مراتب ثلاث: مبدأ، و وسط، و كمال. و المجيء أشبه بالمبدإ، و الظهور أشبه بالوسط، و الإعلان أشبه بالكمال، عبرت التوراة عن طلوع صبح الشريعة و التنزيل: بالمجيء من طور سيناء. و عن طلوع الشمس بالظهور على ساعير. و عن البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء و الإعلان على فاران، و في هذه الكلمات: إثبات نبوة المسيح عليه السلام، و المصطفى محمد صلّى اللّه عليه و سلّم.
و قد قال المسيح في الإنجيل: ما جئت لأبطل التوراة، بل جئت لأكملها. قال صاحب التوراة: النفس بالنفس، و العين بالعين، و الأنف بالأنف، و الأذن بالأذن، و السن بالسن، و الجروح قصاص. و أنا أقول: «إذا لطمك أخوك على خدك الأيمن فضع له خدك الأيسر».
و الشريعة الأخيرة وردت بالأمرين جميعا. أما القصاص ففي قوله تعالى:
كُتِبَ [٤] عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [٥] و أما العفو ففي قوله تعالى: وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٦].
[١] سينا: بكسر أوله و يفتح: اسم موضع بالشام يضاف إليه الطور فيقال طور سيناء و هو الجبل الذي كلّم اللّه تعالى عليه موسى بن عمران عليه السلام و نودي فيه و هو كثير الشجر. (معجم البلدان ٣: ٣٠٠).
[٢] ساعير: في التوراة اسم لجبال فلسطين. و في التوراة: أشرق من ساعير إشارة إلى ظهور عيسى و استعلن من جبال فاران و هي جبال الحجاز يريد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم. (معجم البلدان ٣: ١٧١).
[٣] تقدّم تحديدها قبل قليل و هي كلمة عبرية معربة. من أسماء مكة و قيل: اسم لجبال مكة.
[٤] كتب عليكم القصاص في القتلى. نزلت في حيّين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية فكانت بينهم قتلى و حروب و لم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام. و قيل نزلت في الأوس و الخزرج. (راجع لباب التأويل ١: ١٢٤ و مجمع البيان ١: ٢٦٥).
[٥] سورة البقرة: الآية ١٧٨.
[٦] سورة البقرة: الآية ٢٣٧.