الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٤
و ظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين، مثل ضرّار بن عمرو، و حفص الفرد، و الحسين النجار، و من المتأخرين خالفوا الشيوخ في مسائل، و نبغ منهم جهم [١] بن صفوان في أيام نصر بن سيار، و أظهر بدعته في الجبر بترمذ [٢]، و قتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية بمرو [٣].
و كانت بين المعتزلة و بين السلف في كل زمان اختلافات في الصفات، و كان السلف يناظرونهم عليها، لا على قانون كلامي، بل على قول إقناعي، و يسمون الصفاتية: فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته، و من مشبه صفاته بصفات الخلق، و كلّهم يتعلقون بظواهر الكتاب و السنّة، و يناظرون المعتزلة في قدم العالم على قول ظاهر. و كان عبد اللّه بن سعيد الكلابي، و أبو العبّاس القلانسي، و الحارث بن أسد المحاسبي أشبههم إتقانا، و أمتنهم كلاما، و جرت مناظرة بين أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، و بين أستاذه أبي عليّ الجبائي في بعض مسائل التحسين و التقبيح، فألزم الأشعري أستاذه أمورا لم يخرج عنها بجواب فأعرض عنه و انحاز إلى طائفة السلف و نصر مذهبهم على قاعدة كلامية، فصار ذلك مذهبا منفردا، و قرّر طريقته جماعة من المحققين مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، و الأستاذ أبي إسحاق الأسفرائيني، و الأستاذ أبي بكر بن فورك، و ليس بينهم كثير اختلاف.
و نبغ رجل متنمس [٤] بالزهد من سجستان [٥] يقال له أبو عبد اللّه [٦] محمد بن
[١] هو أبو محرز، من موالي بني راسب: رأس «الجهميّة» هلك في زمان صغار التابعين، قبض عليه نصر بن سيّار و أمر بقتله فقتل سنة ١٢٨ ه/ ٧٤٥ م. (راجع ميزان الاعتدال ١: ١٩٧ و الكامل لابن الأثير حوادث سنة ١٢٨).
[٢] ترمذ: اسم مدينة على نهر جيحون. (راجع معجم البلدان ٢: ٢٦).
[٣] مرو: أشهر مدن خراسان. (معجم ٥: ١١٢).
[٤] متنمّس: متستّر، محتال.
[٥] سجستان: هي ناحية واسعة و ولاية كبيرة كان اسم مدينتها زرنج و هي جنوبي هراة. (راجع معجم البلدان ٣: ١٩٠).
[٦] هو أبو عبد اللّه السجزي (نسبة إلى سجستان) إمام الكراميّة، من فرق الابتداع في الإسلام كان يقول-