الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٢
المكتوبة قديمة أزلية. و قالوا: لا يعقل كلام ليس بحروف و لا كلم. و استدلوا بأخبار، منها ما رووا عن النبي عليه الصلاة و السلام: «ينادي اللّه تعالى يوم القيامة بصوت يسمعه الأوّلون و الآخرون» و رووا أن موسى عليه السلام كان يسمع كلام اللّه كجر السلاسل، قالوا: و أجمعت السلف على أن القرآن كلام اللّه غير مخلوق، و من قال هو مخلوق فهو كافر باللّه، و لا نعرف من القرآن إلا ما هو بين أظهرنا فنبصره و نسمعه و نقرؤه و نكتبه.
و المخالفون في ذلك:
أما المعتزلة فوافقونا على أن هذا الذي في أيدينا كلام اللّه، و خالفونا في القدم. و هم محجوجون بإجماع الأمة.
و أما الأشعرية فوافقونا على أن القرآن قديم، و خالفونا في أن الذي في أيدينا كلام اللّه و هم محجوجون أيضا بإجماع الأمة: أن المشار إليه هو كلام اللّه، فأما إثبات كلام هو صفة قائمة بذات الباري تعالى لا نبصرها؛ و لا نكتبها و لا نقرؤها، و لا نسمعها: فهو مخالفة الإجماع من كل وجه.
فنحن نعتقد أن ما بين الدفتين كلام اللّه، أنزله على لسان جبريل عليه السلام، فهو المكتوب في المصاحف، و هو المكتوب في اللوح المحفوظ، و هو الذي يسمعه المؤمنون في الجنة من الباري تعالى بغير حجاب و لا واسطة، و ذلك معنى قوله تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [١] و هو قوله تعالى لموسى عليه السلام: يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [٢] و مناجاته من غير واسطة حتى قال تعالى: وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [٣] و قال: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي [٤] و روى عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه قال: «إنّ
[١] سورة يس: الآية ٥٨.
[٢] سورة القصص: الآية ٣٠.
[٣] سورة النساء: الآية ١٦٤.
[٤] سورة الأعراف: الآية ١٤٤.