الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٠
و المستبد برأيه محدث مبتدع. و في الخبر عن النبي عليه الصلاة و السلام: «ما شقي امرؤ عن مشورة، و لا سعد باستبداد برأي» و ربّما يكون المستفيد من غيره مقلدا قد وجد مذهبا اتفاقيا بأن كان أبواه أو معلمه على اعتقاد باطل فيتقلد منه دون أن يتفكر في حقه و باطله، و صواب القول فيه و خطئه، فحينئذ لا يكون مستفيدا، لأن ما حصل على فائدة و علم، و لا اتبع الأستاذ على بصيرة و يقين إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [١] شرط عظيم فليعتبر.
و ربما يكون المستبد برأيه مستنبطا مما استفاده على شرط أن يعلم موضع الاستنباط و كيفيته، فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقة، لأنه حصل العلم بقوّة تلك الفائدة لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [٢] ركن عظيم، فلا تغفل.
فالمستبدون بالرأي مطلقا هم المنكرون للنبوات مثل الفلاسفة، و الصابئة، و البراهمة و هم لا يقولون بشرائع و أحكام أمرية، بل يضعون حدودا عقلية حتى يمكنهم التعايش عليها.
و المستفيدون هم القائلون بالنبوات.
و من كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال بالحدود العقلية، و لا ينعكس.
تمهيد أرباب الديانات و الملل من المسلمين، و أهل الكتاب، و ممن له شبهة كتاب
نتكلم هاهنا في معنى الدين، و الملّة، و الشريعة، و المنهاج و الإسلام، و الحنيفيّة، و السنّة، و الجماعة. فإنها عبارات و ردت في التنزيل، و لكل واحدة منها معنى يخصها و حقيقة توافقها لغة و اصطلاحا. و قد بينا معنى الدين أنه الطاعة و الانقياد. و قد قال اللّه تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [٣]، و قد يرد بمعنى
[١] سورة الزخرف: الآية ٨٦، و تمامها: وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ.
[٢] سورة النساء: الآية ٨٣.
[٣] سورة آل عمران: الآية ١٩.
الملل و النحل ج١ ٥١ تمهيد أرباب الديانات و الملل من المسلمين، و أهل الكتاب، و ممن له شبهة كتاب ..... ص : ٥٠