الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٠
ما لا يتناهى، فكيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى؟ قال: تقطع بعضها بالمشي، و بعضها بالطفرة [١]. و شبه بحبل شد على خشبة معترضة وسط البئر، طوله خمسون ذراعا، و عليه دلو معلق. و حبل طوله خمسون ذراعا علق عليه معلاق [٢]، فيجر به الحبل المتوسط، فإن الدلو يصل إلى رأس البئر و قد قطع مائة ذراع بحبل طوله خمسون ذراعا في زمان واحد، و ليس ذلك إلا أن بعض القطع بالطفرة. و لم يعلم أن الطفرة قطع مسافة أيضا موازية لمسافة. فالإلزام لا يندفع عنه و إنما الفرق بين المشي و الطفرة يرجع إلى سرعة الزمان و بطئه.
السابعة: قال إن الجواهر مؤلفة من أعراض اجتمعت، و وافق هشام بن الحكم في قوله إن الألوان و الطعوم و الروائح أجسام. فتارة يقضي بكون الأجسام أعراضا، و تارة يقضي بكون الأعراض أجساما لا غير.
الثامنة: من مذهبه أن اللّه تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادن، و نباتا، و حيوانا، و إنسانا. و لم يتقدم خلق آدم عليه السلام خلق أولاده؛ غير أن اللّه تعالى أكمن بعضها في بعض. فالتقدم و التأخر إنما يقع في ظهورها في مكامنها دون حدوثها و وجودها. و إنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون و الظهور من الفلاسفة و أكثر ميله أبدا إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين.
التاسعة: قوله في إعجاز [٣] القرآن إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية و الآتية، و من جهة صرف الدواعي عن المعارضة، و منع العرب عن الاهتمام به
[١] الطفرة: الوثبة و المراد هنا انتقال جسم من أجزاء المسافة إلى أجزاء أخرى منها من غير أن يحاذي ما بينهما من أجزائها. و النظّام ممّن قال بالطفرة.
[٢] المعلاق: ما يعلّق عليه الشيء.
[٣] قال النظام: «الآية و الأعجوبة في القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب، فأما التأليف و النظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد لو لا أن اللّه منعهم بمنع و عجز أحدثهما فيهم. (راجع مقالات الإسلاميين ١: ٢٢٥).