الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٩
فإذا وصف بها شرعا في أفعاله فالمراد بذلك أنه خالقها و منشئها على حسب ما علم. و إذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد فالمعنيّ به أنه آمر بها و ناه عنها.
و عنه أخذ الكعبي مذهبه في الإرادة.
الثالثة: قوله إن أفعال العباد كلها حركات فحسب. و السكون حركة اعتماد.
و العلوم و الإرادات حركات النفس. و لم يرد بهذه الحركة حركة النقلة و إنما الحركة عنده مبدأ تغير ما، كما قالت الفلاسفة من إثبات حركات في الكيف، و الكم، و الوضع، و الأين و المتى ... إلى أخواتها.
الرابعة: وافقهم أيضا في قولهم إن الإنسان في الحقيقة هو النفس و الروح، و البدن آلتها و قالبها. غير أنه تقاصر عن إدراك مذهبهم فمال إلى قول الطبيعيين منهم أن الروح جسم لطيف مشابك للبدن مداخل للقلب بأجزائه مداخلة المائية في الورد، و الدهنية في السمسم، و السمنية في اللبن. و قال إن الروح هي التي لها قوة، و استطاعة و حياة و مشيئة. و هي مستطيعة بنفسها، و الاستطاعة قبل الفعل.
الخامسة: حكى الكعبي عنه أنه قال: إن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل فهو من فعل اللّه بإيجاب الخلقة: أي أن اللّه تعالى طبع الحجر طبعا، و خلقه خلقة إذا دفعته اندفع، و إذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه طيعا. و له في الجواهر و أحكامها خبط و مذهب يخالف المتكلمين و الفلاسفة.
السادسة: وافق الفلاسفة في نفي الجزء الذي لا يتجزأ [١]. و أحدث القول بالطفرة لما ألزم مشي نملة على صخرة من طرف إلى طرف أنها قطعت
[١] إنه يقول بانقسام كل جزء لا إلى نهاية و في ضمن قوله، إحالة كون اللّه تعالى محيطا بآخر العالم عالما بها، و اللّه تعالى يقول: وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً، و إلى ما يلزم على هذا القول من قدم العالم، و هذا مستحيل لا يقبله العقل و كلمة أبو الهذيل في أن أجزاء الجزء لا تتناهى فقال: لو كان كل جزء من الجسم لا نهاية له لكانت النملة إذا دبّت على البقلة لا تنتهي إلى طرفها فقال إنها تطفر بعضا و تقطع بعضا. و هذا منه كلام لا تقبله العقول لأن ما لا يتناهى كيف يمكن قطعه بالطفرة فصار قوله مثلا سائرا يضرب لكل من تكلّم بكلام لا تحقيق له و لا يتقرّر في العقل معناه. (راجع التبصير ص ٤٣).