الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٤
٢- الهذيليّة
أصحاب أبي الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف، شيخ المعتزلة، و مقدم الطائفة، و مقرر الطريقة، و المناظر عليها. أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل، عن واصل بن عطاء. و يقال أخذ واصل عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية. و يقال أخذه عن أبي الحسن بن أبي الحسن البصري. و إنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد:
الأولى: أن الباري تعالى عالم بعلم، و علمه ذاته [١]. قادر بقدرة، و قدرته ذاته.
حيّ بحياة، و حياته ذاته. و إنما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، و إنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته، و ترجع إلى السلوب [٢] أو اللوازم [٣] كما سيأتي.
و الفرق بين قول القائل: عالم بذاته لا بعلم، و بين قول القائل: عالم بعلم هو ذاته أن الأول نفى الصفة، و الثاني إثبات ذات هو بعينه صفة. أو إثبات صفة هي بعينها ذات. و إذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات، فهي بعينها أقانيم النصارى، أو أحوال [٤] أبي هاشم.
- بين واصل و عمرو و هو أن الأول كان مشهورا بالجدل العقلي و القدرة على الكلام، أما عمرو فيظهر أن شهرته برواية الحديث رغم طعن المحدثين في أمانته- كانت أكثر من شهرته بالعلوم العقلية و الجدل فيها. و لكن مع هذا فإن واصل كان يتمسك بالنصوص أكثر من عمرو الذي كان يحب التحرر منها و لا يتورّع عن أن يخطّئ صحابيا أو ينقد آخر و يردّ روايته. قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٢: ١٧٦: «إن معاذ بن معاذ قال: قلت لعمرو بن عبيد: كيف حديث الحسن إن عثمان ورث امرأة عبد الرحمن بعد انقضاء العدّة؟ فقال: إن عثمان لم يكن صاحب سنّة». كان عمرو واعظا مؤثرا أكثر من زميله واصل. فبقدر ما كان الثاني جدلا كان الأول واعظا. و يظهر أنه كانت له شهرة في البصرة أكثر من زميله واصل».
[١] راجع «مقالات الإسلاميين» لأبي الحسن الأشعري ٢: ٤٨٢.
[٢] السلوب جمل سلب و هو انتزاع النسبة. (راجع دستور العلماء ٢: ١٧٨).
[٣] اللازم: ما يمتنع انفكاكه عن الشيء و هو نوعان: لازم الماهية و لازم الوجود.
[٤] راجع «الفرق بين الفرق» فقد جاء فيه ص ١١٧: (... فأثبت الحال في ثلاثة مواضع:
أحدها: الموصوف الذي يكون موصوفا لنفسه، فاستحقّ ذلك الوصف لحال كان عليها.