الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٩
و حكما بالهوى في مقابلة النص، و استكبارا على الأمر بقياس العقل؟ حتى قال عليه الصلاة و السلام: «سيخرج [١] من ضئضئ [٢] هذا الرّجل قوم يمرقون [٣] من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة ...» الخبر بتمامه.
و اعتبر حال طائفة أخرى من المنافقين يوم أحد، إذ قالوا: هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [٤]، و قولهم: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [٥]، و قولهم:
لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَ ما قُتِلُوا [٦]، فهل ذلك إلّا تصريح بالقدر؟ و قول طائفة من المشركين: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [٧]، و قول طائفة:
أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [٨]، فهل هذا إلّا تصريح بالجبر؟
و اعتبر حال طائفة أخرى حيث جادلوا في ذات اللّه، تفكرا في جلاله، و تصرفا في أفعاله حتى منعهم و خوّفهم بقوله تعالى: وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَ هُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ [٩]، فهذا ما كان في زمانه عليه الصلاة و السلام و هو على شوكته و قوته و صحّة بدنه، و المنافقون يخادعون فيظهرون الإسلام و يبطنون الكفر، و إنما يظهر نفاقهم بالاعتراض في كل وقت على حركاته و سكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور، و ظهرت منها الشبهات كالزروع.
و أمّا الاختلافات الواقعة في حال مرضه عليه الصلاة و السلام و بعد وفاته بين
[١] في مسلم أنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب اللّه رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل ثمود. (مسلم ٣: ١١١).
[٢] الضئضئ: الأصل.
[٣] يمرقون من الدين: يخرجون منه.
[٤] سورة آل عمران: الآية ١٥٤.
[٥] سورة آل عمران: الآية ١٥٤.
[٦] سورة آل عمران: الآية ١٥٦.
[٧] سورة النحل: الآية ٣٥.
[٨] سورة يس: الآية ٤٧.
[٩] سورة الرعد: الآية ١٣.