الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٧٧
نريه المحجة، فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساق الموافقة في المبدأ، و المخالفة في النهاية، ليكون الإلزام أبلغ، و الإفحام أقوى. و إلا فإبراهيم الخليل عليه السلام لم يكن في قوله: هذا رَبِّي [١] مشركا، كما لم يكن في قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [٢] كاذبا. و سوق الكلام من جهة الإلزام غير سوقه على جهة الالتزام، فلما أظهر الحجة، و بين المحجة، و قرر الحنيفية التي هي الملة الكبرى، و الشريعة العظمى، و ذلك هو الدين القيم.
و كان الأنبياء من أولاده كلهم يقررون الحنيفيّة، و بالخصوص صاحب شرعنا محمد صلوات اللّه عليه، كان في تقريرها قد بلغ النهاية القصوى، و أصاب المرمى و أصمى [٣]. و من العجب أن التوحيد من أخص أركان الحنيفية، و لهذا يقترن نفي الشرك بكل موضع ذكر الحنيفية: حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٤]، حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ [٥].
ثم إن التثنية اختصت بالمجوس حتى أثبتوا أصلين اثنين، مدبّرين قديمين، يقتسمان الخير و الشر، و النفع و الضر، و الصلاح و الفساد، يسمون أحدهما: النور و الآخر الظلمة. و بالفارسية: يزدان، و أهرمن، و لهم في ذلك تفصيل مذهب.
و مسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين:
إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة.
و الثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة، و جعلوا الامتزاج مبدأ، و الخلاص معادا.
[١] سورة الأنعام: الآية ٧٦.
[٢] سورة الأنبياء: الآية ٦٣.
[٣] أصمى المرء الصيد: رماه فقتله فكان مكانه و هو يراه، و أصله من السرعة و الخفة.
[٤] سورة آل عمران: الآية ٦٧.
[٥] سورة الحج: الآية ٣١.