الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٧
و التناسخية [١]، و المشبهة [٢]، و الغلاة من الروافض، حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى و صفوه بأوصاف الإله.
و ثار من الشبهة الثانية مذاهب: القدرية، و الجبرية، و المجسمة، حيث قصروا في وصفه تعالى حتى و صفوه بصفات المخلوقين.
فالمعتزلة مشبهة الأفعال، و المشبهة حلولية الصفات، و كل واحد منهم أعور بأي عينيه شاء، فإن من قال: إنما يحسن منه ما يحسن منا، و يقبح منه ما يقبح منا، فقد شبّه الخالق بالخلق؛ و من قال: يوصف الباري تعالى بما يوصف به الخلق، أو يوصف الخلق بما يوصف به الباري تعالى فقد اعتزل عن الحق، و سنخ [٣] القدريّة طلب العلة في كل شيء، و ذاك من سنخ اللعين الأول؛ إذ طلب العلة في الخلق أولا، و الحكمة في التكليف ثانيا، و الفائدة في تكليف السجود لآدم عليه السلام ثالثا، و عنه نشأ مذهب الخوارج، إذ لا فرق بين قولهم: لا حكم إلّا للّه و لا نحكم الرجال، و بين قوله: لا أسجد إلّا لك، لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [٤]. و بالجملة «كلا طرفي قصد الأمور ذميم»، فالمعتزلة غلوا في التوحيد بزعمهم حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات، و المشبهة: قصروا حتى و صفوا الخالق بصفات الأجسام، و الروافض: غلوا في النبوة و الإمامة حتى وصلوا إلى الحلول، و الخوارج: قصروا حتى نفوا تحكيم الرجال.
و أنت ترى إذا نظرت أنّ هذه الشبهات كلها ناشئة من شبهات اللعين الأول، و تلك في الأول مصدرها، و هذه في الآخرة مظهرها، و إليه أشار التنزيل في قوله تعالى وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [٥].
[١] هم الذين يعتقدون بتناسخ الأرواح في الأجساد، و الانتقال من شخص إلى شخص.
[٢] الذين يجعلون اللّه أعضاء و يقولون إنه جسد و له يد و عين.
[٣] السّنخ، بالكسر: الأصل من كل شيء و الجمع أسناخ و سنوخ.
[٤] تمام الآية: قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ سورة الحجر: الآية ٣٣.
[٥] سورة البقرة: الآية ١٦٨.