الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦١
الطهارة أكثر من تقشف سائر اليهود، أثبتوا نبوة موسى و هارون و يوشع بن نون عليهم السلام و أنكروا نبوة من بعدهم من الأنبياء، إلا نبيا واحدا، و قالوا: التوراة ما بشرت إلا بنبي واحد يأتي من بعد موسى، يصدق ما بين يديه من التوراة، و يحكم بحكمها، و لا يخالفها البتة.
و ظهر في السامرة رجل يقال له الألفان، ادعى النبوة و زعم أنه هو الذي بشر به موسى عليه السلام، و أنه هو الكوكب الدريّ الذي ورد في التوراة أنه يضيء ضوء القمر، و كان ظهوره قبل المسيح عليه السلام، بقريب من مائة سنة.
و افترقت السامرة إلى دوستانية و هم الألفانية، و إلى كوستانية [١]. و الدوستانية معناها: الفرقة المتفرقة الكاذبة. و الكوستانية معناها: الجماعة الصادقة. و هم يقرون بالآخرة، و الثواب و العقاب فيها، و الدوستانية تزعم أن الثواب و العقاب في الدنيا. و بين الفريقين اختلاف في الأحكام و الشرائع.
و قبلة السامرة جبل يقال له كزيريم [٢] بين بيت المقدس و نابلس، قالوا: إن اللّه تعالى أمر داود أن يبني بيت المقدس بجبل نابلس و هو الطور الذي كلم اللّه عليه موسى عليه السلام. فتحول داود إلى إيلياء [٣] و بنى البيت ثمة، و خالف الأمر فظلم. و السامرة توجهوا إلى تلك القبلة دون سائر اليهود، و لغتهم [٤] غير لغة اليهود، و زعموا أن التوراة كانت بلسانهم و هي قريبة من العبرانية إلى السريانية.
فهذه أربع فرق هم الكبار. و انشعبت منهم الفرق إلى إحدى و سبعين فرقة.
و هم بأسرهم أجمعوا على أن التوراة بشارة بواحد بعد موسى. و إنما افتراقهم إما
[١] عند المقريزي كما ذكرنا في الهامش رقم ٥ (في الصفحة السابقة) أن السامرة صنفان: الكوشان و الروشان.
[٢] كزيريم: جبل بظاهر نابلس اسمه كزيرم و هو مذكور في التوراة. و تعتقد اليهود أن الذبح كان عليه و عندهم أن الذبيح إسحاق عليه السلام. (معجم ٨: ٢٣٣ و ٧: ٢٤٩).
[٣] اسم مدينة بيت المقدس.
[٤] قال ابن حزم ١: ١١٧: «و بأيدي السامرة توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود يزعمون أنها المنزلة و يقطعون أن التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة. و اليهود يقولون إن التي بأيدي السامرة محرفة مبدلة».