الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٤٩
و الإنجيل النازل على المسيح عليه السلام لا يتضمن أحكاما، و لا يستبطن حلالا و لا حراما، و لكنه رموز و أمثال، و مواعظ و مزاجر، و ما سواها من الشرائع و الأحكام فمحالة على التوراة كما سنبين. فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى ابن مريم عليه السلام، و ادعوا عليه أنه كان مأمورا بمتابعة موسى عليه السلام، و موافقة التوراة، فغير و بدل. و عدّوا عليه تلك التغييرات، منها: تغيير السبت إلى الأحد. و منها تغيير أكل لحم الخنزير، و كان حراما في التوراة. و منها: الختان و الغسل، و غير ذلك.
و المسلمون قد بينوا أن الأمتين قد أبدلوا و حرفوا، و إلا فعيسى عليه السلام كان مقررا لما جاء به موسى عليه السلام، و كلاهما مبشران [١] بمقدم نبينا محمد نبي الرحمة صلوات اللّه عليهم أجمعين. و قد أمرهم أئمتهم و أنبياؤهم و كتابهم بذلك. و إنما بنى أسلافهم الحصون و القلاع بقرب المدينة لنصرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نبي آخر الزمان.
فأمروهم بمهاجرة أوطانهم بالشام إلى تلك القلاع و البقاع، حتى إذا ظهر و أعلن الحق بفاران [٢]، و هاجر إلى دار هجرته يثرب هجروه و تركوا نصره [٣]. و ذلك قوله تعالى: وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا* فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
[١] في كتابه «مخطوطات البحر الميت» ص ١ يقول القس أ. باول ديفز رئيس كنيسة كل القديسين في و اشنطن: «إن مخطوطات البحر الميت- و هي أعظم الاكتشافات منذ قرون عديدة- قد تغيّر الفهم التقليدي للإنجيل» و جاء في هذه المخطوطات ما يلي: «إن عيسى كان مسيا المسيحيين و أن هناك مسيا آخر» و كلمة مسيا آرامية و تعني رسول». [و يعني بقوله مسيا آخر: النبي محمد صلّى اللّه عليه و سلّم].
[٢] فاران: بعد الألف راء، و آخره نون. كلمة عبرانية معربة: و هي من أسماء مكة ذكرها في التوراة.
و قيل: هو اسم لجبال مكة. و في التوراة: جاء اللّه من سيناء و أشرق من ساعير و استعلن من فاران، مجيئه من سيناء تكليمه لموسى عليه السلام، و إشراقه من ساعير و هي جبال فلسطين، هو إنزاله الإنجيل على عيسى عليه السلام. و استعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد صلّى اللّه عليه و سلّم قالوا: و فاران: جبال مكة. (راجع معجم البلدان ٤: ٢٢٥).
[٣] قال ابن عباس: «كانت اليهود يستفتحون، أي يستنصرون على الأوس و الخزرج قبل مبعثه، فلما بعثه اللّه من العرب و لم يكن من بني إسرائيل كفروا به و جحدوا ما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ و ابن البراء: يا معشر اليهود اتقوا اللّه و أسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد و نحن أهل الشرك و تصفونه و تذكرون أنه مبعوث فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه و ما بالذي-