الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٩٠
على فراغ قلب من أمر الأمة، فإنه إنما بعث لرفع الخلاف، و تقرير الوفاق، فلا يجوز أن يفارق الأمة و يتركهم هملا [١] يرى كل واحد منهم رأيا، و يسلك كل واحد منهم طريقا لا يوافقه في ذلك غيره، بل يجب أن يعين شخصا هو الرجوع إليه، و ينص على واحد هو الموثوق به و المعول عليه. و قد عين عليا رضي اللّه عنه في مواضع تعريضا، و في مواضع تصريحا.
أما تعريضاته فمثل أن بعث أبا بكر ليقرأ سورة براءة على الناس في المشهد، و بعث بعده عليا ليكون هو القارئ عليهم، و المبلغ عنه إليهم، و قال: نزل عليّ جبريل عليه السلام فقال يبلّغه رجل منك، أو قال من قومك، و هو يدل على تقديمه عليا عليه و مثل أن كان يؤمّر على أبي بكر و عمر و غيرهما من الصحابة في البعوث، و قد أمر عليهما عمرو بن العاص في بعث، و أسامة [٢] بن زيد في بعث، و ما أمر على عليّ أحدا قط.
و أما تصريحاته فمثل ما جرى في نأنأة [٣] الإسلام حين قال: من الذي يبايعني على ماله؟ فبايعته جماعة. ثمّ قال: من الّذي يبايعني على روحه و هو وصي و وليّ هذا الأمر من بعدي؟ فلم يبايعه أحد حتّى مدّ أمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه يده إليه فبايعه على روحه و وفّى بذلك، حتى كانت قريش تعير أبا طالب أنه أمرّ عليك ابنك. و مثل ما جرى في كمال الإسلام و انتظام الحال حين نزل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [٤] فلما وصل غدير خم أمر بالدوحات فقممن [٥]، و نادوا: الصلاة جامعة، ثم قال عليه
[١] هملا: أي من دون راع يرعاهم.
[٢] تقدمت ترجمته.
[٣] النأنأة: العجز و الضعف. و روى عكرمة عن أبي بكر الصديق (رض) أنه قال: طوبى لمن مات في النأنأة مهموزة بمعنى أول الإسلام قبل أن يقوى و يكثر أهله و ناصروه و الداخلون فيه.
[٤] سورة المائدة: الآية ٦٧.
[٥] قممن: أزلن.