الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٢
و البداء في الإرادة، و هو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد و حكم.
و البداء في الأمر، و هو أن يأمر بشيء، ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك؛ و من لم يجوّز النسخ ظن أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة.
و إنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء، لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال إما بوحي يوحى إليه، و إما برسالة من قبل الإمام. فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء و حدوث حادثة، فإن وافق كونه قوله، جعله دليلا على صدق دعواه، و إن لم يوافق قال: قد بدا لربكم.
و كان لا يفرق بين النسخ و البداء، قال: إذا جاز النسخ في الأحكام، جاز البداء في الأخبار.
و قد قيل: إن السيد محمد بن الحنفية تبرأ من المختار حين وصل إليه أنه قد لبس على الناس أنه من دعاته و رجاله، و تبرأ من الضلالات التي ابتدعها المختار من التأويلات الفاسدة، و المخاريق المموّهة.
فمن مخاريقه: أنه كان عنده كرسي [١] قديم قد غشاه بالديباج، و زينه بأنواع الزينة و قال: هذا من ذخائر أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه، و هو عندنا بمنزلة
[١] قال ابن الأثير (٤: ١٠٠) في قصة الكرسي هذه: «قال الطفيل بن جعدة: أضقنا إضاقة شديدة فخرجت يوما فإذا جار لي زيات عنده كرسي ركبه الوسخ فقلت في نفسي: لو قلت للمختار في هذا شيئا. فأخذته من الزيات و غسلته فخرج عود نضار قد شرب الدهن و هو أبيض، فقلت للمختار: إني كنت أكتمك شيئا و قد بدا لي أن أذكره لك. إن أبي جعدة كان يجلس على كرسي عندنا و يروي أن فيه أثرا من عليّ. قال: سبحان اللّه، أخّرته إلى هذا الوقت؟ ابعث به. فأحضرته عنده و قد غشي فأمر لي باثني عشر ألفا. ثم دعا الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فقال المختار إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلّا و هو كائن في هذه الأمة مثله، و إن كان في بني إسرائيل التابوت و إن هذا فينا مثل التابوت فكشفوا عنه و قامت السبئية فكبروا ثم لم يلبثوا أن أرسل المختار الجند لقتال ابن زياد و خرج بالكرسي على بغل و قد غشي فقتل أهل الشام مقتلة عظيمة فزادهم ذلك فتنة و قد قال أعشى همدان:
شهدت عليكم إنكم سبئية
و إني بكم يا شرطة الشرك عارف
فأقسم ما كرسيّكم بسكينة
و إن كان قد لفّت عليه اللفائف»