الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٣٥
و البدعة الثانية: أنهم قالوا: أخطأ علي في التحكيم إذ حكم الرجال و لا حكم إلا للّه. و قد كذبوا على عليّ رضي اللّه عنه من وجهين:
(أ) أحدهما: في التحكيم، إنه حكم الرجال، و ليس ذلك صدقا، لأنهم هم الذين حملوه على التحكيم.
(ب) و الثاني: أن تحكيم الرجال جائز؛ فإن القوم هم الحاكمون في هذه المسألة، و هم رجال. و لهذا قال عليّ رضي اللّه عنه: «كلمة حق أريد بها باطل» [١] و تخطوا عن هذه التخطئة إلى التكفير. و لعنوا عليا رضي اللّه عنه فيما قاتل الناكثين و القاسطين [٢] و المارقين. فقاتل الناكثين و اغتنم أموالهم، و ما سبى ذراريهم و نساءهم. و قتل مقاتلة من القاسطين، و ما اغتنم، و لا سبى، ثم رضي بالتحكيم، و قاتل مقاتلة المارقين و اغتنم أموالهم، و سبى ذراريهم.
و طعنوا في عثمان رضي اللّه عنه للأحداث التي عدوها عليه. و طعنوا في أصحاب الجمل و أصحاب صفين.
فقاتلهم عليّ رضي اللّه عنه بالنهروان مقاتلة شديدة، فما انفلت منهم إلا أقل من عشرة. و ما قتل من المسلمين إلا أقل من عشرة. فانهزم اثنان منهم إلى عمان [٣]، و اثنان إلى كرمان [٤]، و اثنان إلى سجستان [٥]، و اثنان إلى الجزيرة [٦]،
[١] إن عليا بينما هو يخطب يوما إذ قام إليه رجل من الخوارج فقال، يا علي: أشركت في دين اللّه الرجال و لا حكم إلّا للّه، فتنادوا من كل جانب لا حكم إلّا للّه، لا حكم إلّا للّه، فقال علي: اللّه أكبر، كلمة حق يراد بها باطل أما إن لكم عندنا ثلاثا: ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسمه، و لا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، و لا نقاتلكم حتى تبدءونا، ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته. (راجع ابن كثير ٧: ١٨١ و ابن جرير ٦: ٤١).
[٢] القاسط: الذي جار و حاد عن الحق. و الجمع القاسطون.
[٣] اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن و الهند. (راجع معجم البلدان ٤: ١٥١).
[٤] ولاية بين فارس و مكران و سجستان و خراسان. (راجع معجم البلدان ٤: ٤٥٤).
[٥] ولاية جنوبي هراة. (راجع معجم البلدان ٣: ١٩٠).
[٦] هي التي بين دجلة و الفرات فيها ديار مضر و بكر.