الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٩
و الوجه: صفات، قديمة، قائمة بذاته، و قالوا: له يد لا كالأيدي، و وجه لا كالوجوه [١]، و أثبتوا جواز رؤيته من جهة فوق دون سائر الجهات.
و زعم ابن الهيصم أن الذي أطلقه المشبهة على اللّه عز و جل من: الهيئة، و الصورة، و الجوف، و الاستدارة، و الوفرة، و المصافحة، و المعانقة، و نحو ذلك لا يشبه سائر ما أطلقه الكرامية من: أنه خلق آدم بيده، و أنه استوى على عرشه، و أنه يجيء يوم القيامة لمحاسبة الخلق، و ذلك أنا لا نعتقد من ذلك شيئا على معنى فاسد: من جارحتين و عضوين؛ تفسيرا لليدين، و لا مطابقة للمكان و استقلال العرش بالرحمن تفسيرا للاستواء، و لا ترددا في الأماكن التي تحيط به تفسيرا للمجيء، و إنما ذهبنا في ذلك إلى إطلاق ما أطلقه القرآن فقط من غير تكييف و تشبيه، و ما لم يرد به القرآن و الخبر فلا نطلقه كما أطلقه سائر المشبهة و المجسمة.
و قال الباري تعالى عالم في الأزل بما سيكون على الوجه الذي يكون، و شاء لتنفيذ علمه في معلوماته فلا ينقلب علمه جهلا. و مريد لما يخلق في الوقت الذي يخلق بإرادة حادثة. و قائل لكل ما يحدث بقوله كن حتى يحدث، و هو الفرق بين الإحداث و المحدث و الخلق و المخلوق [٢]. و قال: نحن نثبت القدر خيره و شره من
[١] قال ابن أبي الحديد في أول صفحة ٢٩٥: «أطلقت الكرامية عليه سبحانه لفظ اليدين و الوجه و قالوا لا نتجاوز الإطلاق و لا نفسّر ذلك و لا نتأوله و إنما نقتصر على إطلاق ما ورد به النص. و أثبت الأشعري اليدين صفة قائمة بالباري سبحانه و كذلك الوجه من غير تجسيم. و قالت المجسمة أن للّه تعالى يدين هما عضوان له و كذلك الوجه و العين و أثبتوا له رجلين قد فصلتا عن عرشه و ساقين يكشف عنهما يوم القيامة و قدما يضعها في جهنّم فتمتلئ.
و أثبتوا ذلك معنى لا لفظا و حقيقة لا مجازا. فأما أحمد بن حنبل فلم يثبت عنه تشبيه و لا تجسيم أصلا، و إنما كان يقول بترك التأويل فقط، و يطلق ما أطلقه الكتاب و السنّة، و لا يخوض في تأويله، و يقف على قوله تعالى: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ و أكثر المحصلين من أصحابه على هذا القول».
[٢] ذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تحل في ذاته فإذا أحدث جسما أحدث معنى حالا في ذاته و هو الأحداث. فحدث ذلك الجسم مقارنا لذلك المعنى أو عقيبه. قالوا: و ذلك المعنى هو قول كن و هو المسمى خلقا. و الخلق غير المخلوق. قال اللّه تعالى: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ قالوا: لكنه قد أشهدنا ذواتها تدل على أن خلقها غيرها.-