الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٦
بقدرته من الأقوال و الإرادات. و يعنون بالمحدث: ما بين ذاته من الجواهر و الأعراض.
و يفرقون بين الخلق و المخلوق، و الإيجاد و الموجود و الموجد، و كذلك بين الإعدام و المعدوم. فالمخلوق إنما يقع بالخلق، و الخلق إنما يقع في ذاته بالقدرة، و المعدوم إنما يصير معدوما بالإعدام الواقع في ذاته بالقدرة.
و زعموا أن في ذاته سبحانه حوادث كثيرة مثل الإخبار عن الأمور الماضية و الآتية و الكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام، و القصص و الوعد و الوعيد و الأحكام، و من ذلك المسمعات و المبصرات فيما يجوز أن يسمع و يبصر، و الإيجاد و الإعدام هو القول و الإرادة و ذلك قوله: كُنْ للشيء الذي يريد كونه، و إرادته لوجود ذلك الشيء، و قوله للشيء كن: صورتان.
و فسر محمد بن الهيصم الإيجاد و الإعدام: بالإرادة و الإيثار. قال: و ذلك مشروط بالقول شرعا، إذ ورد في التنزيل: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [١] و قوله: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [٢].
و على قول الأكثرين منهم: الخلق [٣] عبارة عن القول و الإرادة. ثم اختلفوا في التفصيل، فقال بعضهم: لكل موجود إيجاد، و لكل معدوم إعدام، و قال بعضهم: إيجاد واحد يصلح لموجودين إذا كانا من جنس واحد. و إذا اختلف الجنس تعدد الإيجاد، و ألزم بعضهم: لو افتقر كل موجود أو كل جنس إلى إيجاد، فليفتقر كل إيجاد إلى قدرة، فالتزم تعدد القدرة بتعدد الإيجاد.
[١] سورة النحل: الآية ٤٠.
[٢] سورة يس: الآية ٨٢. أي نأمر به مرّة واحدة فإذا هو كائن كما قال الشاعر:
إذا ما أراد اللّه أمرا فإنما
يقول له كن فيكون
أي أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به فإنه تعالى لا يمانع و لا يخالف لأنه الواحد القهّار. (راجع ابن كثير ٢: ٦٥٩).
[٣] في «الفرق بين الفرق» ص ٢١٧: سموا قوله للشيء «كن» خلقا للمخلوق و إحداثا للمحدث و إعلاما للذي يعدم بعد وجوده.