الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٥
لا يتناهى، و إنه مباين للعالم بينونة أزلية، و نفى التحيز و المحاذاة، و أثبت الفوقية و المباينة.
و أطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه، و المقاربون منهم قالوا: نعني بكونه جسما أنه قائم بذاته، و هذا هو حد الجسم عندهم، و بنوا على هذا أن من حكم القائمين بأنفسهما أن يكونا متجاورين أو متباينين، فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش.
و حكم بعضهم بالتباين، و ربما قالوا: كل موجودين، فإما أن يكون أحدهما بحيث الآخر كالعرض مع الجوهر، و إما أن يكون بجهة منه، و الباري تعالى ليس بعرض إذ هو قائم بنفسه، فيجب أن يكون بجهة من العالم، ثم أعلى الجهات و أشرفها جهة فوق، فقلنا هو بجهة فوق بالذات حتى إذا رؤي رؤي من تلك الجهة [١].
ثم لهم اختلافات في النهاية. فمن المجسمة من أثبت النهاية له من ست جهات، و منهم من أثبت النهاية له من جهة تحت، و منهم من أنكر النهاية له، فقال: هو عظيم.
و لهم في معنى العظمة خلاف، فقال بعضهم: معنى عظمته أنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش، و العرش تحته، و هو فوق كله على الوجه هو فوق جزء منه، و قال بعضهم: معنى عظمته أنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، و هو يلاقي جميع أجزاء العرش، و هو العلي العظيم.
و من مذهبهم جميعا: جواز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى، و من أصلهم أن ما يحدث في ذاته فإنما يحدث بقدرته، و ما يحدث مباينا لذاته فإنما يحدث بواسطة الإحداث. و يعنون بالإحداث: الإيجاد و الإعدام الواقعين في ذاته
[١] ذكر ابن كرام في كتابه «عذاب القبر» أن اللّه تعالى مماس لعرشه، و أن العرش مكان له و أبدل أصحابه لفظ المماسّة بلفظ الملاقاة منه للعرش، و قالوا: لا يصحّ وجود جسم بينه و بين العرش إلّا بأن يحيط العرش إلى أسفل، و هذا معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها. (راجع الفرق بين الفرق ص ٢١٦ و التبصير ص ٦٦).