الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٥
و صاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا من غير توبة يكون حكمه إلى اللّه تعالى، إما أن يغفر له برحمته، و إما أن يشفع فيه النبي صلى اللّه عليه و سلّم إذ قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» و إما أن يعذبه بمقدار جرمه، ثم يدخله الجنة برحمته. و لا يجوز أن يخلد في النار مع الكفار، لما ورد به السمع بالإخراج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. قال: و لو تاب فلا أقول بأنه يجب على اللّه تعالى قبول توبته بحكم العقل، إذ هو الموجب، فلا يجب عليه شيء، بلى ورد السمع بقبول توبة التائبين، و إجابة دعوة المضطرين، و هو المالك في خلقه يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا. و لو أدخلهم لم يكن جورا، إذ الظلم هو التصرف فيما لا يملكه المتصرف. أو وضع الشيء في غير موضعه، و هو المالك المطلق فلا يتصور منه ظلم، و لا ينسب إليه جور.
قال: و الواجبات كلها سمعية، و العقل لا يوجب شيئا، و لا يقتضي تحسينا و لا تقبيحا، فمعرفة اللّه بالعقل تحصل، و بالسمع تجب، قال اللّه تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [١] و كذلك شكر المنعم، و إثابة المطيع، و عقاب العاصي يجب بالسمع دون العقل، و لا يجب على اللّه تعالى شيء ما بالعقل، لا الصلاح، و لا الأصلح، و لا اللطف، و كل ما يقتضيه العقل من جهة الحكمة الموجبة، فيقتضي نقيضه من وجه آخر.
و أصل التكليف لم يكن واجبا على اللّه إذ لم يرجع إليه نفع، و لا اندفع به عنه ضر، و هو قادر على مجازاة العبيد ثوابا و عقابا، و قادر على الإفضال عليهم ابتداء تكرما و تفضلا. و الثواب، و النعيم، و اللطف كله منه فضل، و العقاب و العذاب كله عدل لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [٢].
و انبعاث الرسل من القضايا الجائزة لا الواجبة و لا المستحيلة، و لكن بعد
[١] سورة الإسراء: الآية ١٥.
[٢] سورة الأنبياء: الآية ٢٣.