الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٢
نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة، لا على وجه الإحداث و الخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، و الإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار، يحس من نفسه أيضا عدم الاستقلال، فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، و القدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب كنسبة الفعل إلى القدرة. و كذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب. فهو الخالق للأسباب و مسبباتها، المستغني على الإطلاق، فإن كل سبب مهما استغنى من وجه محتاج من وجه، و الباري تعالى هو الغني المطلق، الذي لا حاجة له و لا فقر.
و هذا الرأي إنما أخذه من الحكماء الإلهيين و أبرزه في معرض الكلام. و ليس يختص نسبة السبب إلى المسبب على أصله بالفعل و القدرة، بل كل ما يوجد من الحوادث فذلك حكمه. و حينئذ يلزم القول بالطبع، و تأثير الأجسام في الأجسام إيجادا، و تأثير الطبائع في الطبائع إحداثا، و ليس ذلك مذهب الإسلاميين. كيف و رأي المحققين من الحكماء أن الجسم لا يؤثر في إيجاد الجسم، قالوا: الجسم لا يجوز أن يصدر عن جسم، و لا عن قوة ما في جسم، فإن الجسم مركب من مادة و صورة، فلو أثر لأثر بجهتيه، أعني بمادته و صورته و المادة لها طبيعة عدمية، فلو أثرت لأثرت بمشاركة العدم، و التالي محال، فالمقدم إذن محال فنقيضه حق؛ و هو أن الجسم و قوة ما في الجسم لا يجوز أن يؤثر في جسم.
و تخطى من هو أشد تحققا و أغوص تفكرا عن الجسم و قوة ما في جسم، إلى كل ما هو جائز بذاته، فقال: كل ما هو جائز بذاته لا يجوز أن يحدث شيئا ما، فإنه لو أحدث لأحدث بمشاركة الجواز، و الجواز له طبيعة عدمية. فلو خلى الجائز و ذاته كان عدما. فلو أثر الجواز بمشاركة العدم، لأدى إلى أن يؤثر العدم في الوجود، و ذلك محال؛ فإذن لا موجد على الحقيقة إلا واجب الوجود لذاته و ما سواه من الأسباب معدات لقبول الوجود، لا محدثات لحقيقة الوجود، و لهذا شرح سنذكره.