نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٤٠ - ١٧٨ اللص و العجوز الجلدة أمّ الصيرفي
فطاف في الدار، فوجد إزارا جديدا، و طلب جمرا فظفر به، و وقع في يده شيء كان لهم فيه دخنة طيبة، فلبس الإزار، و أشعل ذلك البخور، و أقبل ينزل على الدرجة، و يصيح بصوت غليظ و تعمّد أن يجعله جهوريا، لتفزع العجوز.
و كانت معتزلية جلدة، ففطنت لحركته، و أنّه لص، فلم تره أنّها فطنت.
و قالت: من هذا؟بارتعاد و فزع شديد.
فقال لها: أنا رسول اللّه رب العالمين، أرسلني إلى ابنك هذا الفاسق، لأعظه، و أعامله بما يمنعه من ارتكاب المعاصي.
فأظهرت أنّها قد ضعفت، و غشي عليها من الجزع، و أقبلت تقول:
يا جبريل، سألتك باللّه، إلاّ رفقت به، فإنّه واحدي.
فقال اللصّ: ما أرسلت لقتله.
فقالت: فما تريد؟و بما أرسلت؟ قال: لآخذ كيسه، و أؤلم قلبه بذلك، فإذا تاب رددته إليه.
فقالت: شأنك، يا جبريل، و ما أمرت.
فقال: تنحّي من باب البيت.
فتنحّت: و فتح هو الباب، و دخل ليأخذ الكيس و القماش، و اشتغل في تكويره.
فمشت العجوز قليلا قليلا، و جذبت الباب بحميّة، فردّته، و جعلت الحلقة في الرزّة [١] ، و جاءت بقفل، فقفلته.
فنظر اللصّ إلى الموت بعينه، و رام حيلة في داخل البيت، من نقب أو منفذ، فلم يجدها.
[١] الرزة و جمعها رزات: حديدة يدخل فيها القفل و نحوه