نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٤ - ١٢ الوزير ابن الفرات يفحم مناظريه و يكاد يأكلهم
فقويت نفسه، و دخل المجلس، و حامد في صدر دست عظيم، برسم الوزارة، في دار الخلافة، و علي بن عيسى عن يمينه، و بجنبه ابن الحواريّ، و نصر القشوري عن يساره، و بجنبه أبو زنبور.
فسلّم ابن الفرات، و تخطّى حتى جلس بين يدي حامد، فرفعه قليلا.
و خاطبه ابن الفرات بالوزارة، و سلّم على عليّ بن عيسى، و أدار عينه في المجلس، فعرف كلّ من فيه، إلاّ أبا زنبور، فإنّه كان لغيبته بمصر، لم يشاهده قط.
فقال لمن كان إلى جانبه: من هذا؟ فقال له: هذا أبو زنبور عامل مصر.
فأحسّ ابن الفرات، بأنّه في بليّة سببها أبو زنبور. فقال: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه [١] .
قال: و كان أبو زنبور قصيرا دميما مقبّحا.
فقال أبو زنبور في الحال: لوددت أنّ الأرض ابتلعتني قبل ذلك.
قال: فقال له حامد، و عليّ بن عيسى: هذا فلان بن فلان، عامل مصر، قد ذكر أنّه كان يرفقك في كل شهر، من مال عمله، بعشرة آلاف دينار، تكون لمدة ولايتك، كذا و كذا، و ما حملت لبيت المال شيئا منها، و يجب الآن عليك أداءها، فما تقول؟ فقال لهما: إنّ هذا-و أومأ إلى أبي زنبور-إن كان قد أمر بالسعاية، بوزير عامله، فكشف ستره في أيّام نكبته، و سعى بمرفق أرفقه به في حال ولايته، و أبان بذلك عن قدر عقله، و أمانته، و عقل من يركن إليه مستأنفا، فإنّه قد صدق فيما أخبر به.
و لم أكن لأرتفق هذا منه، لأدع له شيئا من مال السلطان، و لا لأمكّنه
[١] تسمع بالمعيدي خير من أن تراه: مثل يضرب لذي الاسم الداوي فإذا اقترب لم يظهر منه طائل.