نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٧ - ١٣ أفضل ما يخلف المرء لعقبه صديقا وفيا
ذلك و تمحق، و أحدّث الوزير أعزّه اللّه بحديث جرى منذ مدّة، يعلم معه صدق قولي.
فقال له ابن الفرات: ما هو؟ فقال: الناس يعلمون أنّي صنيعة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون [١] ، و كان رجلا مستهترا بالجوهر [٢] ، يعتقده لنفسه، و أولاده، و جواريه.
فكنت جالسا يوما في داري، فجاءني بوّابي، فقال: بالباب امرأة تستأذن، في زيّ رثّ، فأذنت لها، فدخلت، فقالت لي: تخلي لي مجلسك، فأخليته.
فقالت لي: أنا فلانة، جارية أبي الجيش.
فحين قالت ذلك، و رأيت صورتها، عرفتها، و بكيت لما شاهدتها عليه، و دعوت غلماني ليحضروني ما أغيّر به حالها.
فقالت: لا تدع أحدا، فإنّي أظنّك دعوتهم لتغيير حالي، و أنا في غنية و كفاية، و لم أقصدك لذلك، و لكن لحاجة هي أهمّ من هذا.
فقلت: ما هي؟ فقالت: تعلم إنّ أبا الجيش، لم يكن يعتقد لنا إلاّ الجوهر. فلما جرى علينا بعده من طلب السلطان، ما جرى، و تشتّتنا، و زال عنّا ما كنّا فيه، كان عندي جوهر قد سلّمه إليّ، و وهبه لي، و لابنته[١١٧ ط] منّي فلانة، و هي معي هاهنا.
فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني، فتجهّزت للخروج، و خرجت
[١] أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون: ترجمته في حاشية القصة ٢/١٦٤ من النشوار.
[٢] استهتر الرجل بكذا: أولع به لا يتحدث بغيره و لا يفعل غيره.