نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٥ - ١٤٠ ضيق أحوال الناس أبعدهم عن ممارسة البرّ و الإحسان
١٤٠ ضيق أحوال الناس أبعدهم عن ممارسة البرّ و الإحسان
تجارينا ذكر شدّة زماننا، و فقر الناس[١٦٣ ب]فيه، و ضيق أحوالهم، و استحبابهم البخل، حتى إنّ بعضهم يسمّيه احتياطا، و بعضهم إصلاحا، و توصية الناس بعضهم بعضا به، و تحذّر التجّار من معاملات الناس، و مسك الناس أيديهم عن الإحسان إلى أحد، أو برّه، أو إغاثة ملهوف، أو التنفيس عن مكروب، و إنّ ذلك في الأكثر لضيق أحوالهم.
فقال لي أبو الحسن أحمد بن يوسف [١] : لقد كان يجيء الرجل من أهل العلم، فيجبى [٢] له من أصحابنا [٣] الألف الدرهم، و الأقلّ، و الأكثر، في يوم، لا يحتاج إلى أحد يخاطبه في ذلك، مع قلّة عدد أصحابنا إذ ذاك.
و لقد قدم رجل أردنا أن نرتبطه ليتعلّم، لجودة قريحته، و كان يحتاج إلى مائة درهم في كل شهر، فكلّمت إبراهيم بن[١٩٠ ط]خفيف الكاتب، صاحب ديوان النفقات، و كان من أصحابنا، و رجلا آخر من أصحابنا، فأجريا عليه مائة درهم في كل شهر، كلّ واحد منهما خمسين درهما، و كان الرجل يأخذها، إلى أن خرج من بغداد، سنين.
و لقد قال لي يوما بعض من حضر إلى مجلس أبي الحسن الكرخي [٤] [رضي
[١] أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي: ترجمته في حاشية القصة ١/١٤ من النشوار.
[٢] في ب: فيجيء.
[٣] أصحابنا: يعني المعتزلة.
[٤] أبو الحسن الكرخي (٢٦٠-٣٤٠) : عبيد اللّه بن الحسين بن دلال، من كرخ جدان، إليه انتهت رئاسة أصحاب أبي حنيفة، و كان عابدا زاهدا، رأسا في الاعتزال، ترجمته في المنتظم ٦/٣٦٩.