شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٨٠ - المسألة الرابعة في بساطة الماهيّة وتركّبها
وأيضاً كما أنّ الماهيّات الممكنة محتاجة إلى الفاعل في وجودها الخارجيّ كذلك محتاجة إليه في وجودها الذّهني، فالمجعوليّة بمعنى الاحتياج إلى الفاعل من لوازم الماهيّة الممكنة مطلقاً.[١]
وإن فسّر المجعوليّة بأنّها الاحتياج إلى الفاعل في الوجود الخارجيّ، كان الكلام صحيحاً والتّقييد تكلّفاً.
ثمّ قال: والصّواب أن يقال: معنى قولهم: «الماهيّة ليست مجعولة» أنّها في حدّ ذاتها لا يتعلّق بها جعل جاعل وتأثير مؤثّر; فإنّك إذا لاحظت ماهيّة السّواد، ولم تلاحظ معها مفهوماً سواها، لم يعقل هناك جعل، إذ لا مغايرة بين الماهيّة ونفسها حتّى يتصوّر توسّط جعل بينهما، فتكون إحداهما مجعولة إلى تلك الأُخرى.
وكذلك لا يتصوّر تأثير الفاعل في الوجود بمعنى جعل الوجود وجوداً.
بل تأثيره في الماهيّة باعتبار الوجود ; بمعنى أنّه يجعلها متّصفة بالوجود، لا بمعنى أنّه يجعل اتّصافها موجوداً متحقّقاً في الخارج، فإنّ الصبّاغ مثلاً إذا صبغ ثوباً، فإنّه لا يجعل الثّوب ثوباً، ولا الصّبغ صبغاً، بل يجعل الثّوب متّصفاً بالصّبغ في الخارج، وإن لم يجعل اتّصافه به موجوداً ثابتاً في الخارج.
فليست الماهيّات في أنفسها مجعولة، ولا وجوداتها أيضاً في أنفسها
[١] سواء كان في الوجود الذّهني والخارجي، لأنّها أينما وجدت، كانت متّصفة، بهذا الاحتياج، سواء كانت اتّصافها به بيّناً أو غير بيّن .