الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٠٨
في نفسه إلّا أنّه يتوقّف على فعل الحرام أو ما يلازمه [١] كإجارة الجنب أو الحائض لكنس المسجد [٢] الذي يتوقّف على مكثهما فيه، وهو محرّم؛ لأنّه مع الحرمة يتعذّر على المستأجر شرعاً، فيكون كالممتنع عقلًا [٣]).
ونوقش بأنّ الإمكان العقلي ما دام محفوظاً في المقام فلا موجب لاشتراط أكثر من ذلك في الحكم الوضعي بصحة المعاوضة وحصول التمليك والتملّك [٤]).
وقد يتمسّك للمشهور بأنّ عدم التمكن من الانتفاع لمانع شرعي كالحيض يجعل العمل متعذر التسليم [٥]، وقد تقدم أنّ الغرض النوعي في المعاوضات عند العقلاء هو إمكان التسليم والاستيفاء للمال أو العمل، فمع تعذّره قانوناً وشرعاً لا يكون الغرض المذكور محفوظاً، فيبطل العقد.
ومن المعلوم أنّ الوثوق والجزم بالغرض النوعي شرط عند العقد وإلّا كان غررياً وباطلًا.
ونوقش فيه [٦] بأنّ ذلك قد يتم في غير فرض الوثوق بالاستيفاء، وأمّا مع فرض الوثوق والعلم بذلك فانّه لا موجب لبطلان العقد، كما لو علم المستأجر بأنّ الأجير ممن يقدم على المعصية جزماً، أو كان يعتقد طهارة المرأة عند الإجارة على الكنس فاتفق الحيض، فانّه في مثل ذلك لا انتفاء للغرض النوعي، كما لا غرر في البين، فلا موجب لبطلان العقد. كما أنّه إذا لم يعصِ الأجير ولم يرتكب مخالفة في تحصيل المنفعة فانّه لا ضير في عدم القدرة على التسليم كذلك، فيكون للمستأجر حينئذٍ خيار الفسخ على القاعدة [٧]).
وكذا استدل بعض الفقهاء بأنّ الاشتراط المذكور يؤول إلى اشتراط الإباحة [٨] التي يكون مرجعها إلى فقد المملوكية، فإنّه بعد الحظر الشرعي لا يكون الدخول في العمل مباحاً، ومن ثمّ لا يكون مملوكاً ليتمكّن من تسليمه.
واجيب عنه بأنّ الفعل المستأجر عليه مباح بحسب الفرض، وإنّما الحرام ما يلازمه وهو خارج عن الإجارة، والحرمة لا تسري من أحد المتلازمين إلى الآخر كما هو محقق في محلّه من علم الاصول.
واستدلّ له بعض آخر [٩] بعدم شمول دليل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» لمثل هذا العقد، فإنّ وجوب الوفاء به مطلقاً وبلا قيد مناقض للحرمة ومقيّداً بفرض العصيان المحرّم اللازم بنحو الترتّب وإن كان معقولًا بناءً على إمكان الترتّب، إلّا أنّه لا يمكن استفادته من خطاب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. وهذا النحو من الاستدلال قد تقدمت المناقشة فيه [١٠] في بحث سابق.
[١]
العروة الوثقى ٢: ٥٧٦. المنهاج (الحكيم) ٢: ١٠٧. المنهاج (الخوئي) ٢: ٨١، م ٣٧٤.
[٢] صرّح الفقهاء ببطلان إجارة الحائض والجنب لكنس المسجد. القواعد ٢: ٢٨٨. التذكرة ٢: ٢٩٨ (حجرية). جامع المقاصد ٧: ١٣٧. جواهر الكلام ٢٧: ٣١١.
[٣] انظر: رسالة الإجارة (البهبهاني): ٧٤ (مخطوط).
[٤] المنهاج (الحكيم) ٢: ١٠٧- ١٠٨، التعليقة رقم ٤.
[٥] التذكرة ٢: ٢٩٨ (حجرية). جامع المقاصد ٧: ١٣٧.
[٦] بحوث في الفقه (الإجارة): ٢٦٧.
[٧] مستند العروة (الإجارة): ٤٨.
[٨] رسالة الإجارة (البهبهاني): ٦٨ (مخطوط)، حيث قال: «أمّا بطلان إجارة الحائض والجنب لكنس المسجد فإنّما هو لعدم إباحة المنفعة وعدم ملكيتها، لا لعدم القدرة على التسليم». وان قال في مسألة مستند اشتراط إباحة المنفعة (٧٤): «بأنّ القدرة على تسليمها واستيفاء المنفعة من العين غير حاصلة؛ إذ المانع الشرعي كالعقلي وهو شرط في صحة الإجارة إجماعاً». مستند العروة (الإجارة): ٤٩.
[٩] مستند العروة (الإجارة): ٥٠.
[١٠] الإجارة (الشاهرودي) ١: ١١٤.