البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٦ - أما الخضر
ثم ما الحاصل له على هذا الاختفاء و ظهوره أعظم لأجره و أعلى في مرتبته و أظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيا بعده لكان تبليغه عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الأحاديث النبويّة و الآيات القرآنية و إنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة و الروايات المقلوبة و الآراء البدعية و الاهواء العصبية و قتاله مع المسلمين في غزواتهم و شهوده جمعهم و جماعاتهم و نفعه إياهم و دفعه الضرر عنهم ممن سواهم و تسديده العلماء و الحكام و تقريره الادلة و الأحكام أفضل ما يقال عنه من كنونه في الأمصار. وجوبه الفيافي و الأقطار. و اجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم و جعله لهم كالنقيب المترجم عنهم. و هذا الّذي ذكرناه لا يتوقف أحد فيه بعد التفهيم و اللَّه يهدى من يشاء الى صراط مستقيم.
و من ذلك ما ثبت
في الصحيحين و غيرهما عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلّى ليلة العشاء ثم قال أ رأيتم ليلتكم هذه فإنه الى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد.
و في رواية عين تطرف. قال ابن عمر فوهل الناس في مقالة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هذه و إنما أراد انخرام قرنه.
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبانا معمر عن الزهري قال أخبرنى سالم بن عبد اللَّه و أبو بكر بن سليمان ابن أبى خيثمة أن عبد اللَّه بن عمر قال صلّى رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذات ليلة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال أ رأيتم ليلتكم هذه فان على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد و أخرجه البخاري و مسلم من حديث الزهري
* و
قال الامام أحمد حدثنا محمد بن أبى عدي عن سليمان التيمي عن أبى نضرة عن جابر بن عبد اللَّه قال قال رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل موته بقليل أو بشهر ما من نفس منفوسة أو ما منكم من نفس اليوم منفوسة يأتى عليها مائة سنة و هي يومئذ حية
و قال أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا بن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال قبل أن يموت بشهر يسألوننى عن الساعة و إنما علمها عند اللَّه أقسم باللَّه ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتى عليها مائة سنة. و هكذا رواه مسلم من طريق أبى نضرة و أبى الزبير كل منهما عن جابر بن عبد اللَّه به نحوه.
و قال الترمذي حدثنا عباد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال قال رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما على الأرض من نفس منفوسة يأتى عليها مائة سنة.
و هذا أيضا على شرط مسلم* قال ابن الجوزي فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر* قالوا فالخضر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما هو المظنون الّذي يترقى في القوة الى القطع فلا إشكال و إن كان قد أدرك زمانه فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة فيكون الآن مفقودا لا موجودا لانه داخل في هذا العموم و الأصل عدم المخصص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله و اللَّه أعلم.
و قد حكى الحافظ أبو القاسم السهيليّ في كتابه التعريف و الأعلام عن البخاري و شيخه أبى بكر بن العربيّ أنه أدرك حياة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لكن مات بعده لهذا الحديث و في كون البخاري (رحمه اللَّه) يقول بهذا و أنه بقي الى زمان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نظر* و رجح السهيليّ بقاءه و حكاه عن الأكثرين* قال و أما اجتماعه