البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٨
فجاءته دابة لونها لون النار فركبها و جعل اللَّه له ريشا و ألبسه النور و قطع عنه لذة المطعم و المشرب و صار ملكيا بشريا سماويا أرضيا و أوصى الى اليسع بن أخطوب ففي هذا نظر و هو من الإسرائيلات التي لا تصدق و لا تكذب بل الظاهر أن صحتها بعيدة و اللَّه أعلم.
فاما الحديث الّذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثني أبو العباس أحمد ابن سعيد المعداني ببخارا حدثنا عبد اللَّه بن محمود حدثنا عبدان بن سنان حدثني أحمد بن عبد اللَّه البرقي حدثنا يزيد بن يزيد البلوى حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن مكحول عن أنس بن مالك قال كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في سفر فنزلنا منزلا فإذا رجل في الوادي يقول اللَّهمّ اجعلني من أمة محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المرحومة المغفورة المتاب لها قال فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع فقال لي من أنت فقلت أنس بن مالك خادم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فأين هو قلت هو ذا يسمع كلامك قال فأته فأقرئه السلام و قل له أخوك الياس يقرئك السلام قال فأتيت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته فجاء حتى لقيه فعانقه و سلم* ثم قعدا يتحادثان فقال له يا رسول اللَّه إني ما آكل في سنة إلا يوما و هذا يوم فطري فآكل أنا و أنت قال فنزلت عليهما مائدة من السماء عليها خبز و حوت و كرفس فأكلا و أطعمانى و صلينا العصر ثم ودعه و رأيت مر في السحاب نحو السماء. فقد كفانا البيهقي أمره و قال هذا حديث ضعيف بمرة و العجب أن الحاكم أبا عبد اللَّه النيسابورىّ أخرجه في مستدركه على الصحيحين و هذا مما يستدرك به على المستدرك فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه. و معناه لا يصح أيضا فقد تقدم
في الصحيحين أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال إن اللَّه خلق آدم طوله ستون ذراعا في السماء الى أن قال ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن
و فيه أنه لم يأت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى كان هو الّذي ذهب اليه. و هذا لا يصح لانه كان أحق بالسعي الى بين يدي خاتم الأنبياء. و فيه أنه يأكل في السنة مرة و قد تقدم عن وهب أنه سلبه اللَّه لذة المطعم و المشرب و فيما تقدم عن بعضهم أنه يشرب من زمزم كل سنة شربة تكفيه الى مثلها من الحول الآخر. و هذه أشياء متعارضة و كلها باطلة لا يصح شيء منها. و قد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق أخرى و اعترف بضعفها و هذا عجب منه كيف تكلم عليه فإنه أورده من طريق حسين بن عرفة عن هانئ بن الحسن عن بقية عن الأوزاعي عن مكحول عن واثلة عن ابن الأسقع فذكر نحو هذا مطولا و فيه أن ذلك كان في غزوة تبوك و أنه بعث اليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنس ابن مالك و حذيفة بن اليمان قالا فإذا هو أعلى جسما بذراعين أو ثلاثة و اعتذر بعدم قدرته لئلا تنفر الإبل و فيه أنه لما اجتمع به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أكلا من طعام الجنة و قال إن لي في كل أربعين يوما أكلة و في المائدة خبز و رمان و عنب و موز و رطب و بقل ما عدا الكراث و فيه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سأله عن الخضر فقال عهدي به عام أول و قال لي إنك ستلقاه قبلي فأقرئه منى السلام. و هذا يدل على أن الخضر