البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٥ - أما الخضر
وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) قال ابن عباس ما بعث اللَّه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه. و أمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد و هم أحياء ليؤمنن به و ينصرنه. ذكره البخاري عنه فالخضر إن كان نبيا أو وليا فقد دخل في هذا الميثاق فلو كان حيا في زمن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل اللَّه عليه و ينصره أن يصل أحد من الأعداء اليه لأنه إن كان وليا فالصديق أفضل منه و ان كان نبيا فموسى أفضل منه و قد
روى الامام أحمد في مسندة حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال و الّذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني.
و هذا الّذي يقطع به و يعلم من الدين علم الضرورة. و قد دلت عليه هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لكانوا كلهم أتباعا له و تحت أوامره و في عموم شرعه كما أنه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) لما اجتمع معهم ليلة الاسراء رفع فوقهم كلهم و لما هبطوا معه الى بيت المقدس و حانت الصلاة أمره جبريل عن أمر اللَّه أن يؤمهم فصلى بهم في محل ولايتهم و دار إقامتهم فدل على أنه الامام الأعظم و الرسول الخاتم البجل المقدم (صلوات اللَّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين). فإذا علم هذا و هو معلوم عند كل مؤمن علم أنه لو كان الخضر حيا لكان من جملة أمة محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ممن يقتدى بشرعه لا يسعه إلا ذلك* هذا عيسى بن مريم (عليه السلام) إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة لا يخرج منها و لا يحيد عنها و هو أحد أولى العزم الخمسة المرسلين و خاتم أنبياء بنى إسرائيل و المعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح و لا حسن تسكن النفس اليه أنه أجتمع برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في يوم واحد و لم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد و هذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به لربه عز و جل و استنصره و أستفتحه على من كفره اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض و تلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ و سادة الملائكة حتى جبريل (عليه السلام) كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال إنه أفخر بيت قالته العرب
و ثبير بدر إذ يرد وجوههم* * * جبريل تحت لوائنا و محمد
فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته و أعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات فقال نعم قال و بلغني مثل هذا عن أبى طاهر بن الغبارى قال و كان يحتج بانه لو كان حيا لجاء الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). نقله ابن الجوزي في العجالة* فان قيل فهل يقال إنه كان حاضرا في هذه المواطن كلها و لكن لم يكن أحد يراه.
فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمام البعيد الّذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات.