البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - قصة مدين قوم شعيب (عليه السلام)
بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم الى ملتهم فانتصب شعيب للمحلجة عن قومه فقال (أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ) أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا و انما يعودون اليه إن عادوا اضطرارا مكرهين و ذلك لان الايمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد و لا يرتد أحد عنه و لا محيد لأحد منه. و لهذا قال (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) أي فهو كافينا و هو العاصم لنا و اليه ملجاؤنا في جميع أمرنا ثم استفتح على قوله و استنصر ربه عليه في تعجيل ما يستحقونه اليهم فقال (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ أي الحاكمين) فدعا عليهم و اللَّه لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه و كفروه و برسوله خالفوه. و مع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون. و به متلبسون (وَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ قال اللَّه تعالى. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة أي رجفت بهم أرضهم و زلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها و صيرت حيوانات أرضهم كجمادها و أصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها و لا حركات بها و لا حواس لها* و قد جمع اللَّه عليهم أنواعا من العقوبات و صنوفا من المثلات و أشكالا من البليات و ذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط اللَّه عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات و صيحة عظيمة أخمدت الأصوات و ظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها و الجهات. و لكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها و يوافق طباقها في سباق قصة الأعراف ارجفوا نبي اللَّه و أصحابه و توعدوهم بالإخراج من قريتهم أو ليعودن في ملتهم راجعين فقال تعالى فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ فقابل الارجفاف بالرجفة و الاخافة بالخيفة و هذا مناسب لهذا السياق و متعلق بما تقدمه من السباق* و أما في سورة هود فذكر أنهم أخذتهم الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ و ذلك لأنهم قالوا لنبي اللَّه على سبيل التهكم و الاستهزاء و التنقص (أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطى هذا الكلام القبيح الّذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكنتهم. و أما في سورة الشعراء فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة. و كان ذلك إجابة لما طلبوا. و تقريبا الى ما اليه رغبوا. فإنهم قالوا (إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) قال اللَّه تعالى و هو السميع العليم فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ و من زعم من المفسرين كقتادة و غيره أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف و إنما