البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٧ - قصة مدين قوم شعيب (عليه السلام)
و نترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون و أسلافنا الأولون أو أن لا نتعامل الا على الوجه الّذي ترتضيه أنت و نترك المعاملات التي تأباها و ان كنا نحن نرضاها (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) قال ابن عباس و ميمون ابن مهران و ابن جريج و زيد بن أسلم و ابن جرير يقولون ذلك أعداء اللَّه على سبيل الاستهزاء (قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ) هذا تلطف معهم في العبارة و دعوة لهم الى الحق بابين اشارة يقول لهم أ رأيتم أيها المكذبون (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي على أمر بين من اللَّه تعالى أنه أرسلنى إليكم (وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) يعنى النبوة و الرسالة يعنى و عمى عليكم معرفتها فأى حيلة لي بكم. و هذا كما تقدم عن نوح (عليه السلام) أنه قال لقومه سواء و قوله (وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أي لست آمركم بالأمر الا و أنا أول فاعل له و إذا نهيتكم عن الشيء فانا أول من يتركه و هذه هي الصفة المحمودة العظيمة و ضدها هي المردودة الذميمة كما تلبس بها علماء بنى إسرائيل في آخر زمانهم و خطباؤهم الجاهلون* قال اللَّه تعالى أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ و ذكر عندها
في الصحيح عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه
أي تخرج أمعاؤه من بطنه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار فيقولون يا فلان ما لك أ لم تكن تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر فيقول بلى كنت آمر بالمعروف و لا آتيه و أنهى عن المنكر و آتيه* و هذه صفة مخالفي الأنبياء من الفجار و الأشقياء فاما السادة من النجباء و الألباء من العلماء الذين يخشون ربهم بالغيب فحالهم كما قال نبي اللَّه شعيب (وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أي ما أريد في جميع أمرى إلا الإصلاح في الفعال و المقال بجهدي و طاقتي (وَ ما تَوْفِيقِي) أي في جميع أحوالى إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ أي عليه أتوكل في سائر الأمور و اليه مرجعي و مصيري في كل أمرى و هذا مقام ترغيب.
ثم انتقل الى نوع من الترهيب فقال (وَ يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أي لا تحملنكم مخالفتي و بغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم و جهلكم و مخالفتكم فيحل اللَّه بكم من العذاب و النكال نظير ما أحله بنظرائكم و أشباهكم من قوم نوح و قوم هود و قوم صالح من المكذبين المخالفين. و قوله (وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) قيل معناه في الزمان أي ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم و عتوهم* و قيل معناه و ما هم منكم ببعيد في المحلة و المكان. و قيل في الصفات و الأفعال المستقبحات من قطع الطريق و أخذ أموال الناس جهرة و خفية بأنواع الحيل و الشبهات. و الجمع بين هذه الأقوال ممكن فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانا و لا مكانا و لا صفات ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال (وَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا