البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٨ - قصة مدين قوم شعيب (عليه السلام)
إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) أي أقلعوا عما أنتم فيه و توبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب اليه تاب عليه فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها و دود و هو الحبيب و لو بعد التوبة على عبده و لو من الموبقات العظام (قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) روى عن ابن عباس و سعيد ابن جبير و الثوري انهم قالوا كان ضرير البصر* و قد روى في حديث مرفوع أنه بكى من حب اللَّه حتى عمى فرد اللَّه عليه بصره. و قال يا شعيب أ تبكي خوفا من النار أو من شوقك الى الجنة فقال بل من محبتك فإذا نظرت إليك فلا أبالى ما ذا يصنع بى فأوحى اللَّه اليه هنيئا لك يا شعيب لقانى فلذلك أخدمتك موسى ابن عمران كليمي* رواه الواحدي عن أبى الفتح محمد بن على الكوفي عن على بن الحسن بن بندار عن أبى عبد اللَّه محمد بن إسحاق التربلى [١] عن هشام بن عمار عن إسماعيل بن عباس عن يحيى بن سعيد عن شداد بن أمين عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنحوه و هو غريب جدا و قد ضعفه الخطيب البغدادي* و قولهم وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ و هذا من كفرهم البليغ و عنادهم الشنيع حيث قالوا (ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) أي ما نفهمه و لا نتعقله لأنا لا نحبه و لا نريده و ليس لنا همة اليه و لا إقبال عليه و هو كما قال كفار قريش لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ) و قولهم (وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) أي مضطهدا مهجورا (وَ لَوْ لا رَهْطُكَ) أي قبيلتك و عشيرتك فينا (لَرَجَمْناكَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ أي تخافون قبيلتي و عشيرتي و ترعونى بسببهم و لا تخافون جنبة اللَّه و لا تراعونى لانى رسول اللَّه فصار رهطي أعز عليكم من اللَّه (وَ اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا أي جانب اللَّه وراء ظهوركم (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) أي هو عليم بما تعملونه و ما تصنعونه محيط بذلك كله و سيجزيكم عليه يوم ترجعون اليه وَ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كاذِبٌ وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ و هذا أمر تهديد شديد و وعيدا كيد بان يستمروا على طريقتهم و منهجهم و شاكلتهم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار. و من يحل عليه الهلاك و البوار (مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أي في هذه الحياة الدنيا (وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ) أي في الأخرى (وَ مَنْ هُوَ كاذِبٌ) اى منى و منكم فيما أخبر و بشر و حذر (وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) و هذا كقوله (وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ. قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ
[١] قوله التربلى و في نسخة الرمليّ فليحرر محمود الامام