البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٣ - باب ذكر خلق الملائكة و صفاتهم (عليهم السلام)
من هو راكع أبدا و منهم من هو ساجد أبدا و منهم من هو في صنوف أخر و اللَّه أعلم بها. و هم دائمون في عبادتهم و تسبيحهم و أذكارهم و أعمالهم التي أمرهم اللَّه بها، و لهم منازل عند ربهم كما قال تعالى وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ* وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ* وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ* و
قال (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربها* قالوا و كيف يصفون عند ربهم قال يكملون الصف الأول و يتراصون في الصف
* و
قال فضلنا على الناس بثلاث* جعلت لنا الأرض مسجدا و تربتها لنا طهورا و جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة
و كذلك يأتون يوم القيامة بين يدي الرب جل جلاله صفوفا كما قال تعالى وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا و يقفون صفوفا بين يدي ربهم عز و جل يوم القيامة كما قال تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً* و المراد بالروح هاهنا بنو آدم قاله ابن عباس و الحسن و قتادة* و قيل ضرب من الملائكة يشبهون بنى آدم في الشكل* قاله ابن عباس و مجاهد و أبو صالح و الأعمش* و قيل جبريل* قاله الشعبي و سعيد بن جبير و الضحاك* و قيل ملك يقال له الروح بقدر جميع المخلوقات* قال على بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله يوم يقوم الروح قال هو ملك من أعظم الملائكة خلقا* و قال ابن جرير حدثني محمد بن خلف العسقلاني حدثنا داود ابن الجراح عن أبى حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال الروح في السماء الرابعة هو أعظم السموات و الجبال و من الملائكة يسبح كل يوم اثنى عشر ألف تسبيحة يخلق اللَّه من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يحيى يوم القيامة صفا وحده* و هذا غريب جدا* و
قال الطبراني حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكيم المصري حدثنا ابن وهب بن رزق أبو هبيرة حدثنا بشر بن بكر حدثنا الأوزاعي حدثني عطاء عن عبد اللَّه بن عباس قال سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول «إن للَّه ملكا لو قيل له التقم السموات و الأرضين بلقمة واحدة لفعل. تسبيحه سبحانك حيث كنت»
و هذا أيضا حديث غريب جدا* و قد يكون موقوفا* و ذكرنا في صفة حملة العرش
عن جابر بن عبد اللَّه قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة اللَّه من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» رواه أبو داود و ابن أبى حاتم و لفظه مخفق الطير سبعمائة عام
* و قد ورد في صفة جبريل (عليه السلام) أمر عظيم قال اللَّه تعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى قالوا كان من شدة قوته أنه رفع مدائن قوم لوط و كن سبعا بمن فيها من الأمم و كانوا قريبا من أربعمائة ألف و ما معهم من الدواب و الحيوانات و ما لتلك المدن من الأراضي و المعتملات و العمارات و غير ذلك* رفع ذلك كله على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب و صياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى. و قوله ذو مرة أي خلق حسن و بهاء و سناء كما قال في الآية الأخرى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أي جبريل رسول من اللَّه كريم أي حسن المنظر