البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤١ - باب ذكر خلق الملائكة و صفاتهم (عليهم السلام)
النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في صفات متعددة فتارة يأتى في صورة دحية بن خليفة الكلبي و تارة في صورة أعرابى و تارة في صورته التي خلق عليها. له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق و المغرب كما رآه على هذه الصفة مرتين. مرة منهبطا من السماء الى الأرض. و تارة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. و هو قوله تعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى أي جبريل كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة* منهم ابن مسعود و أبو هريرة و أبو ذر و عائشة فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى أي الى عبد اللَّه محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم قال وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى و قد ذكرنا في أحاديث الاسراء في سورة سبحان أن سدرة المنتهى في السماء السابعة* و في رواية في السادسة أي أصلها و فروعها في السابعة فلما غشيها من أمر اللَّه ما غشيها* قيل غشيها نور الرب جل جلاله* و قيل غشيها فراش من ذهب* و قيل غشيها ألوان متعددة كثيرة غير منحصرة* و قيل غشيها الملائكة مثل الغربان* و قيل غشيها من نور اللَّه تعالى فلا يستطيع أحد أن ينعتها* أي من حسنها و بهائها.
و لا منافاة بين هذه الأقوال إذ الجميع ممكن حصوله في حال واحدة* و ذكرنا
أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال. ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال* و في رواية كقلال هجر و إذا ورقها كآذان الفيلة و إذا يخرج من أصلها نهران باطنان و نهران ظاهران.
فأما الباطنان ففي الجنة. و أما الظاهران فالنيل و الفرات* و تقدم الكلام على هذا في ذكر خلق الأرض و ما فيها من البحار و الأنهار* و فيه ثم رفع لي البيت المعمور و إذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف مالك ثم لا يعودون اليه آخر ما عليهم* و ذكر أنه وجد إبراهيم الخليل (عليه السلام) مستندا ظهره الى البيت المعمور. و ذكرنا وجه المناسبة في هذا أن البيت المعمور هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في الأرض*
و قد روى سفيان الثوري و شعبة و أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن ابن الكواء سأل على بن أبى طالب عن البيت المعمور فقال هو مسجد في السماء يقال له الضراح، و هو بحيال الكعبة من فوقها. حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلى فيه كل يوم سبعون الفا من الملائكة لا يعودون اليه أبدا* و هكذا روى على بن ربيعة و أبو الطفيل عن على مثله
* و
قال الطبراني أنبانا الحسن بن علوية القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة حدثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) البيت المعمور في السماء يقال له الضراح و هو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرونه قط فان له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة. يعنى في الأرض و هكذا قال العوفيّ عن ابن عباس و مجاهد و عكرمة و الربيع بن أنس و السدي و غير واحد
* و
قال قتادة ذكر لنا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال