البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢ - * باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات و ما فيهن من الآيات
قوله تعالى وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ هذا لفظه في بدء الخلق و رواه في التفسير* و في التوحيد من حديث الأعمش أيضا و رواه مسلم في الايمان من طريق الأعمش و من طريق يونس بن عبيد و أبو داود من طريق الحكم بن عتبة كلهم عن إبراهيم بن يزيد بن شريك عن أبيه عن أبى ذر به نحوه.
و قال الترمذي حسن صحيح* إذا علم هذا فإنه حديث لا يعارض ما ذكرناه من استدارة الأفلاك التي هي السموات على أشهر القولين و لا يدل على كرية العرش كما زعمه زاعمون. قد أبطلنا قولهم فيما سلف و لا يدل على أنها تصعد الى فوق السموات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش بل هي تغرب عن أعيننا و هي مستمرة في فلكها الّذي هي فيه و هو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التفسير. و ليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس و هو الكسوفات ما يدل عليه و يقتضيه فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه و هو وقت نصف الليل مثلا في اعتدال الزمان بحيث يكون بين القطبين الجنوبي و الشمالي فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش لانه مقبب من جهة وجه العالم و هذا محل سجودها كما يناسبها كما أنها أقرب ما تكون من العرش وقت الزوال من جهتنا فإذا كانت في محل سجودها استأذنت الرب جل جلاله في طلوعها من الشرق فيؤذن لها فتبدو من جهة الشرق و هي مع ذلك كارهة لعصاة بنى آدم أن تطلع عليهم و لهذا قال أمية تأبى فلا تبدو لنا في رسلها* الا معذبة و الا تجلد* فإذا كان الوقت الّذي يريد اللَّه طلوعها من جهة مغربها تسجد على عادتها و تستأذن في الطلوع من عادتها فلا يؤذن لها فجاء أنها تسجد أيضا ثم تستأذن فلا يؤذن لها ثم تسجد فلا يؤذن لها و تطول تلك الليلة كما ذكرنا في التفسير، فتقول يا رب ان الفجر قد اقترب و ان المدى بعيد فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا جميعا و ذلك حين لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا، و فسروا بذلك قوله تعالى وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قيل لوقتها الّذي تؤمر فيه تطلع من مغربها* و قيل مستقرها موضعها الّذي تسجد فيه تحت العرش* و قيل منتهى سيرها و هو آخر الدنيا. و عن ابن عباس أنه قرأ و الشمس تجرى لا مستقر لها أي ليست تستقر فعلى هذا تسجد و هي سائرة. و لهذا قال تعالى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أي لا تدرك الشمس القمر فتطلع في سلطانه و دولته و لا هو أيضا و لا الليل سابق النهار اى ليس سابقه بمسافة يتأخر ذاك عنه فيها بل إذا ذهب النهار جاء الليل في اثره متعقبا له كما قال في الآية الأخرى يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ و قال تعالى وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً أي يخلف هذا لهذا و هذا لهذا كما
قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «إذا أقبل الليل من هاهنا و أدبر النهار من هاهنا و غربت