البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣ - * باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات و ما فيهن من الآيات
الشمس فقد أفطر الصائم»
فالزمان المحقق ينقسم الى ليل و نهار و ليس بينهما غيرهما* و لهذا قال تعالى يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى فيولج من هذا في هذا، أي يأخذ من طول هذا في قصر هذا فيعتدلان كما في أول فصل الربيع يكون الليل قبل ذلك طويلا و النهار قصيرا فلا يزال الليل ينقص و النهار يتزايد حتى يعتدلا و هو أول الربيع* ثم يشرع النهار يطول و يتزايد و الليل يتناقص حتى يعتدلا أيضا في أول فصل الخريف* ثم يشرع الليل يطول و يقصر النهار الى آخر فصل الخريف* ثم يترجح النهار قليلا قليلا و يتناقص الليل شيئا فشيئا حتى يعتدلا في أول فصل الربيع كما قدمنا، و هكذا في كل عام. و لهذا قال تعالى وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أي هو المتصرف في ذلك كله الحاكم الّذي لا يخالف و لا يمانع و لهذا يقول في ثلاث آيات عند ذكر السموات و النجوم و الليل و النهار ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أي العزيز الّذي قد قهر كل شيء و دان له كل شيء فلا يمانع و لا يغالب العليم بكل شيء فقدر كل شيء تقديرا على نظام لا يختلف و لا يضطرب.
و قد ثبت
في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «قال اللَّه يؤذيني ابن آدم يسب الدهر و أنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل و النهار» و في رواية فانا الدهر أقلب ليله و نهاره
* قال العلماء كالشافعي و أبى عبيد القاسم بن سلام و غيرهما يسب الدهر أي يقول فعل بنا الدهر كذا يا خيبة الدهر، أيتم الأولاد، أرمل النساء. قال اللَّه تعالى (و أنا الدهر) أي انا الدهر الّذي يعنيه فإنه فاعل ذلك الّذي أسنده الى الدهر و الدهر مخلوق، و انما فعل هذا هو اللَّه فهو يسب فاعل ذلك و يعتقده الدهر. و اللَّه هو الفاعل لذلك الخالق لكل شيء المتصرف في كل شيء كما قال و أنا الدهر بيدي الأمر أقلب ليله و نهاره و كما قال تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ و قال تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ. ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ. يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ أي فاوت بين الشمس و القمر في نورهما و في شكلهما و في وقتهما و في سيرهما فجعل هذا ضياء و هو شعاع الشمس برهان ساطع وضوء باهر و القمر نورا أي أضعف من برهان الشمس و جعله مستفادا من ضوئها و قدره منازل أي يطلع أول ليلة من الشهر صغيرا ضئيلا قليل النور لقربه من الشمس و قلة مقابلته لها فبقدر مقابلته لها يكون نوره و لهذا في الليلة الثانية يكون أبعد منها بضعف ما كان في الليلة الأولى فيكون نوره بضعف النور أول ليلة* ثم كلما بعد ازداد نوره حتى يتكامل إبداره ليلة