البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤ - * باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات و ما فيهن من الآيات
مقابلته إياها من المشرق و ذلك ليلة أربع عشرة من الشهر* ثم يشرع في النقص لاقترابه اليها من الجهة الأخرى الى آخر الشهر فيستتر حتى يعود كما بدا في أول الشهر الثاني. فبه تعرف الشهور و بالشمس تعرف الليالي و الأيام و بذلك تعرف السنين و الأعوام و لهذا قال تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ و قال تعالى وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا و قال تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ و قد بسطنا القول على هذا كله في التفسير. فالكواكب التي في السماء منها سيارات و هي المتحيرة في اصطلاح علماء التفسير و هو علم غالبة صحيح بخلاف علم الأحكام فان غالبة باطل و دعوى ما لا دليل عليه و هي سبعة. القمر في سماء الدنيا و عطارد في الثانية و الزهرة في الثالثة و الشمس في الرابعة و المريخ في الخامسة و المشترى في السادسة و زحل في السابعة. و بقية الكواكب يسمونها الثوابت و هي عندهم في الفلك الثامن و هو الكرسي في اصطلاح كثير من المتأخرين. و قال آخرون بل الكواكب كلها في السماء الدنيا و لا مانع من كون بعضها فوق بعض* و قد يستدل على هذا بقوله تعالى وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ* و بقوله فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فخص سماء الدنيا من بينهن بزينة الكواكب فان دل هذا على كونها مرصعة فيها فذاك و الا فلا مانع مما قاله الآخرون و اللَّه أعلم.
و عندهم أن الأفلاك السبعة بل الثمانية تدور بما فيها من الكواكب الثوابت و السيارات تدور على خلاف فلكه من المغرب الى المشرق. فالقمر يقطع فلكه في شهر و الشمس تقطع فلكها و هو الرابع في سنة. فإذا كان السيران ليس بينهما تفاوت و حركاتهما متقاربة كان قدر السماء الرابعة بقدر السماء الدنيا ثنتى عشرة مرة و زحل يقطع فلكه و هو السابع في ثلاثين سنة فعلى هذا يكون بقدر السماء الدنيا ثلاثمائة و ستين مرة* و قد تكلموا على مقادير أجرام هذه الكواكب و سيرها و حركاتها و توسعوا في هذه الأشياء حتى تعدوا الى علم الأحكام و ما يترتب على ذلك من الحوادث الأرضية و مما لا علم لكثير منهم به.
و قد كان اليونانيون الذين كانوا يسكنون الشام قبل زمن المسيح (عليه السلام) بدهور لهم في هذا كلام كثير يطول بسطه، و هم الذين بنوا مدينة دمشق و جعلوا لها أبوابا سبعة و جعلوا على رأس كل باب هيكلا على صفة الكواكب السبعة. يعبدون كل واحد في هيكله، و يدعونه بدعاء يأثره عنهم غير واحد من أهل التواريخ و غيرهم. و ذكره صاحب السر المكتوم في مخاطبة الشمس و القمر و النجوم