البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٤ - ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها الى آخرها
إليكم كل شيء أحببتم فتواعدوا يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى قال سعيد فحدثني ابن عباس أن يَوْمُ الزِّينَةِ اليوم الّذي أظهر اللَّه فيه موسى على فرعون و السحرة هو يوم عاشوراء فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ يعنون موسى و هارون استهزاء بهما فقالوا يا موسى بعد تريثهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ. قال بل ألقوا فالقوا حبالهم و عصيهم و قالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى اللَّه اليه أن الق عصاك فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان أن تدخل فيه حتى ما أبقت عصا و لا حبلا إلا ابتلعته فلما عرف السحرة ذلك قالوا لو كان هذا سحرا لم تبلع من سحرنا كل هذا و لكنه أمر من اللَّه تعالى آمنا باللَّه و بما جاء به موسى و نتوب الى اللَّه مما كنا عليه فكسر اللَّه ظهر فرعون في ذلك الموطن و أشياعه و ظهر الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ و امرأة فرعون بارزة مبتذلة تدعوا للَّه بالنصر لموسى على فرعون و أشياعه فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون و أشياعه و إنما كان حزنها و همها لموسى فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بنى إسرائيل فإذا مضت أخلف من غده و قال هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يصنع غير هذا فأرسل اللَّه على قومه الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم آيات مفصلات كل ذلك يشكو إلى موسى و يطلب اليه أن يكفها عنه و يوافقه على أن يرسل معه بنى إسرائيل فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده و نكث عهده حتى أمر موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا فلما أصبح فرعون و رأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة و أوحى اللَّه الى البحر إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى و من معه* ثم التقى على من بقي بعد من فرعون و أشياعه فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا و انتهى الى البحر و له قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه و هو غافل فيصير عاصيا للَّه عز و جل فلما تراءى الجمعان و تقاربا قال أصحاب موسى إنا لمدركون افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب و لم تكذب قال و عدني ربى إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ثم ذكر بعد ذلك العصي فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى فانفرق البحر كما أمره ربه و كما وعد موسى فلما جاوز موسى و أصحابه كلهم البحر و دخل فرعون و أصحابه التقى عليهم البحر كما أمر فلما جاوز موسى قال أصحابه إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق و لا نؤمن بهلاكه فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العبر و سمعتم ما يكفيكم و مضى فأنزلهم موسى منزلا