البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٠ - قصة قوم يس و هم
مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت و لهذا احدى كانت المدن الأربع التي تكون فيها بتاركة النصارى و هن أنطاكية و القدس و اسكندرية و رومية ثم بعدها الى القسطنطينية و لم يهلكوا و أهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين (إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ) لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا الى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم و أهلكهم اللَّه ثم عمرت بعد ذلك. فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله اليهم فلا يمنع هذا و اللَّه أعلم.
فاما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم و لأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند اللَّه. قال اللَّه تعالى وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا يعنى لقومك يا محمد (أَصْحابَ الْقَرْيَةِ) يعنى المدينة (إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ) أي أيدناهما بثالث في الرسالة (فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث اللَّه نبيا بشريا فأجابوهم بأن اللَّه يعلم أنا رسله إليكم و لو كنا كذبنا عليه لعاقبنا و انتقم منا أشد الانتقام (وَ ما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) أي إنما علينا أي نبلغكم ما أرسلنا به إليكم و اللَّه هو الّذي يهدى من يشاء و يضل من يشاء (قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ) أي تشاءمنا بما جئتمونا به (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ) بالمقال و قيل بالفعال و يؤيد الأول قوله (وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ) فوعدوهم بالقتل و الإهانة. (قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ) أي مردود عليكم (أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ) أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى و دعوناكم اليه توعدتمونا بالقتل و الإهانة (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) أي لا تقبلون الحق و لا تريدونه.
و قوله تعالى وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى) يعنى لنصرة الرسل و إظهار الايمان بهم (قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ) أي يدعونكم الى الحق المحض بلا أجرة و لا جعاله. ثم دعاهم الى عبادة اللَّه وحده لا شريك له و نهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا و لا في الآخرة (إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي إن تركت عبادة اللَّه و عبدت معه ما سواه* ثم قال مخاطبا للرسل (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) قيل فاستمعوا مقالتي و اشهدوا لي بها عند ربكم. و قيل معناه فاسمعوا يا قومي إيماني برسل اللَّه جهرة. فعند ذلك قتلوه. قيل رجما. و قيل عضا و قيل وثبوا اليه وثبة رجل واحد فقتلوه* و حكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته.
و قد روى الثوري عن عاصم الأحول عن أبى مجلز كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري* ثم قيل كان نجارا و قيل حبالا. و قيل إسكافا. و قيل قصارا و قيل كان يتعبد في غار هناك فاللَّه أعلم و عن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام و كان كثير الصدقة قتله قومه. و لهذا قال تعالى