البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - * قصة يونس (عليه السلام)
وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ. و قال تعالى في سورة نون فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ). قال أهل التفسير بعث اللَّه يونس (عليه السلام) الى أهل نينوى من أرض الموصل فدعاهم الى اللَّه عز و جل فكذبوه و تمردوا على كفرهم و عنادهم فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم و وعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث.
قال ابن مسعود و مجاهد و سعيد بن جبير و قتادة و غير واحد من السلف و الخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم و تحققوا نزول العذاب بهم قذف اللَّه في قلوبهم التوبة و الانابة و ندموا على ما كان منهم الى نبيهم فلبسوا المسوح و فرقوا بين كل بهيمة و ولدها ثم عجوا الى اللَّه عز و جل و صرخوا و تضرعوا اليه و تمسكنوا لديه و بكى الرجال و النساء و البنون و البنات و الأمهات و جأرت الأنعام و الدواب و المواشي فرغت الإبل و فصلانها و خارت البقر و أولادها و ثغت الغنم و حملانها و كانت ساعة عظيمة هائلة فكشف اللَّه العظيم بحوله و قوته و رأفته و رحمته عنهم العذاب الّذي كان قد اتصل بهم بسببه و دار على رءوسهم كقطع الليل المظلم و لهذا قال تعالى فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها فدل على أنه لم يقع ذلك بل كما قال تعالى وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. و قوله إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ أي آمنوا بكمالهم.
و قد اختلف المفسرون هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الأخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي على قولين الأظهر من السياق نعم و اللَّه أعلم كما قال تعالى لَمَّا آمَنُوا و قال تعالى وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ. و هذا المتاع الى حين لا ينفى أن يكون معه غيره من رفع العذاب الأخروي و اللَّه أعلم.
و قد كانوا مائة ألف لا محالة و اختلفوا في الزيادة فعن مكحول عشرة آلاف* و
روى الترمذي و ابن جرير و ابن أبى حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية حدثني أبى بن كعب أنه سال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن قوله (وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) قال يزيدون عشرين ألفا
فلو لا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب* و عن ابن عباس كانوا مائة ألف و ثلاثين ألفا و عنه و بضعة و ثلاثين الفا. و عنه و بضعة و أربعين ألفا و قال سعيد بن جبير كانوا مائة ألف و سبعين ألفا.
و اختلفوا هل كان إرساله اليهم قبل الحوت أو بعده أو هما أمتان على ثلاثة أقوال هي مبسوطة في التفسير* و المقصود أنه (عليه السلام) لما ذهب مغاضبا بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم و اضطربت و ماجت بهم و ثقلت بما فيها و كادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون* قالوا فاشتوروا فيما