البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٣ - * قصة يونس (عليه السلام)
فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا منه. فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي اللَّه يونس فلم يسمحوا به فاعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا فشمر ليخلع ثيابه و يلقى بنفسه فأبوا عليه ذلك. ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا لما يريده اللَّه به من الأمر العظيم. قال اللَّه تعالى وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ. و ذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقى في البحر و بعث اللَّه عز و جل حوتا عظيما من البحر الأخضر فالتقمه و أمره اللَّه تعالى أن لا يأكل له لحما و لا يهشم له عظما فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها و قيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه* قالوا و لما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر للَّه ساجدا و قال يا رب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله و قد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه. فقال مجالد عن الشعبي التقمه ضحى و لفظه عشية* و قال قتادة مكث فيه ثلاثا و قال جعفر الصادق سبعة أيام و يشهد له شعر أمية بن أبى الصلت.
و أنت بفضل منك نجيت يونسا* * * و قد بات في أضعاف حوت لياليا
و قال سعيد بن أبى الحسن و أبو مالك مكث في جوفه أربعين يوما و اللَّه أعلم كم مقدار ما لبث فيه و المقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية و يقتحم به لجج الموج الأجاجى فسمع تسبيح الحيتان للرحمن و حتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب و النوى و رب السموات السبع و الأرضين السبع و ما بينها و ما تحت الثرى* فعند ذلك و هنالك قال ما قال بلسان الحال و المقال كما أخبر عنه ذو العزة و الجلال الّذي يعلم السر و النجوى و يكشف الضر و البلوى سامع الأصوات و ان ضعفت و عالم الخفيات و ان دقت و مجيب الدعوات و ان عظمت حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الأمين و هو أصدق القائلين و رب العالمين و إله المرسلين (وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ) الى أهله (مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ. فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) أن نضيق* و قيل معناه نقدر من التقدير و هي لغة مشهورة قدر و قدّر كما قال الشاعر.
فلا عائد ذاك الزمان الّذي مضى* * * تباركت ما يقدر يكن فلك الأمر
(فَنادى فِي الظُّلُماتِ) قال ابن مسعود و ابن عباس و عمرو بن ميمون و سعيد بن جبير و محمد ابن كعب و الحسن و قتادة و الضحاك ظلمة الحوت و ظلمة البحر و ظلمة الليل و قال سالم بن أبى الجعد ابتلع الحوت حوت آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر. و قوله تعالى فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قيل معناه لو لا أنه سبح اللَّه هنالك و قال ما قال من التهليل و التسبيح