البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١١ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه و زوجه امرأته زليخا فكان وزير صدق.
و ذكر محمد بن إسحاق أن صاحب مصر الوليد بن الريان أسلم على يدي يوسف (عليه السلام) فاللَّه أعلم. و قد قال بعضهم
وراء مضيق الخوف متسع الأمن* * * و أول مفروح به غاية الحزن
فلا تيأسن فاللَّه ملك يوسفا* * * خزائنه بعد الخلاص من السجن
(وَ جاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ. وَ لَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَ أَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ. فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لا تَقْرَبُونِ. قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَ إِنَّا لَفاعِلُونَ. وَ قالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف (عليه السلام) الى الديار المصرية يمتارون طعاما و ذلك بعد إتيان سنى الجدب و عمومها على سائر البلاد و العباد. و كان يوسف (عليه السلام) إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا و دنيا. فلما دخلوا عليه عرفهم و لم يعرفوه لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار اليه يوسف (عليه السلام) من المكانة و العظمة فلهذا عرفهم و هم له منكرون و عند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم و أراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول و قال أنتم جواسيس جئتم لتأخذوا خبر بلادي. فقالوا معاذ اللَّه إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد و الجوع الّذي أصابنا و نحن بنو أب واحد من كنعان و نحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد و صغيرنا عند أبينا فقال لا بد أن أستعلم أمركم* و عندهم أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم و أحتبس شمعون عنده ليأتوه بالأخ الآخر. و في بعض هذا انظر. قال اللَّه تعالى فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه (قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) و كان قد سألهم عن حالهم و كم هم فقالوا كنا اثني عشر رجلا فذهب منا واحد و بقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتونى به معكم (أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَ أَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) أي قد أحسنت نزلكم و قراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لا تَقْرَبُونِ) أي فلست أعطيكم ميرة و لا أقربكم بالكلية عكس ما أسدى اليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب و الترهيب (قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ) أي سنجتهد في مجيئه معنا و إتيانه إليك بكل ممكن (وَ إِنَّا لَفاعِلُونَ) أي و انا لقادرون على تحصيله. ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم و هي ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم. و قيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانيه. و قيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.