البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٤ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
صاحب المنزل سيدي (أَحْسَنَ مَثْوايَ) أي أحسن الى و أكرم مقامي عنده (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) و قد تكلمنا على قوله (وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) بما فيه كفاية و مقنع في التفسير و أكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالاعراض عنه أولى بنا* و الّذي يجب أن يعتقد أن اللَّه تعالى عصمه و برأه و نزهه عن الفاحشة و حماه عنها و صانه منها* و لهذا قال تعالى كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ. وَ اسْتَبَقَا الْبابَ أي هرب منها طالبا الى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره (وَ أَلْفَيا) أي وجدا (سَيِّدَها) أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام و حرضته عليه (قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ).
اتهمته و هي المتهمة و برأت عرضها و نزهت ساحتها فلهذا قال يوسف (عليه السلام) (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) احتاج الى أن يقول الحق عند الحاجة (وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس* و روى عن أبى هريرة و هلال بن يساف و الحسن البصري و سعيد بن جبير و الضحاك و اختاره ابن جرير. و روى فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس و وقفه غيره عنه* و قيل كان رجلا قريبا الى أطفير بعلها. و قيل قريبا اليها* و ممن قال إنه كان رجلا ابن عباس و عكرمة و مجاهد و الحسن و قتادة و السدي و محمد بن إسحاق و زيد بن أسلم فقال (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ) أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه (وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته و تعلقت فيه فانشق قميصه لذلك و كذلك كان.
و لهذا قال تعالى فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ أي هذا الّذي جرى من مكركن أنت راودته عن نفسه* ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) أي لا تذكره لأحد لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق و الأحسن و أمرها بالاستغفار لذنبها الّذي صدر منها و التوبة الى ربها فان العبد إذا تاب الى اللَّه تاب اللَّه عليه. و أهل مصر و إن كانوا يعبدون الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الّذي يغفر الذنوب و يؤاخذ بها هو اللَّه وحده لا شريك له في ذلك* و لهذا قال لها بعلها و عذرها من بعض الوجوه لأنها رأت ما لا صبر لها على مثله الا أنه عفيف نزيه بريء العرض سليم الناحية فقال (اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ. وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ. فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ. قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ. قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ. فَاسْتَجابَ