البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠١ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
عينيه فجعلوا يشتمونه و يهينونه بالفعال و المقال و أجمعوا على إلقائه في غيابت الجب أي في قعره على راعوفته و هي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح و هو الّذي ينزل ليملى الدلاء إذا قل الماء و الّذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح فلما ألقوه فيه أوحى اللَّه اليه أنه لا بد لك من فرج و مخرج من هذه الشدة التي أنت فيها و لتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز و هم محتاجون إليك خائفون منك وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ.
قال مجاهد و قتادة وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ بايحاء اللَّه اليه ذلك* و عن ابن عباس وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها* رواه ابن جرير عنه* فلما وضعوه فيه و رجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم و رجعوا الى أبيهم عشاء و هم يبكون أي على أخيهم. و لهذا قال بعض السلف لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم و هو باك و ذكر بكاء إخوة يوسف و قد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا) أي ثيابنا (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) أي في غيبتنا عنه في استباقنا و قولهم (وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ) أي و ما أنت بمصدق لنا في الّذي أخبرناك من أكل الذئب له و لو كنا غير متهمين عندك فكيف و أنت تتهمنا في هذا فإنك خشيت أن يأكله الذئب و ضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا و الحالة هذه. (وَ جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) أي مكذوب مفتعل لانهم عمدوا الى سخلة ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب قالوا و نسوا ان يخرقوه و آفة الكذب النسيان* و لما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له و حسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة و المهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد اللَّه أن يخصه به من نبوته* و لما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه و غيبوه عن عينيه جاءوا و هم يتباكون و على ما تمالئوا عليه يتواطئون و لهذا (قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) و عند أهل الكتاب أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون و يرده الى أبيه فغافلوه و باعوه لتلك القافلة. فلما جاء روبيل من آخر النار ليخرج يوسف لم يجده فصاح و شق ثيابه و عمد أولئك الى جدي فذبحوه و لطخوا من دمه جبة يوسف. فلما علم يعقوب شق ثيابه و لبس مئزرا أسود و حزن على ابنه أياما كثيرة. و هذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير و التصوير. (وَ جاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ. قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ. وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ. وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً. وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ