البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٨ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
ورده و إن كان في الأوامر و النواهي فاعدل الشرائع و أوضح المناهج و أبين حكما و أعدل حكما فهو كما قال تعالى وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا. يعنى صدقا في الأخبار عدلا في الأوامر و النواهي و لهذا قال تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ أي بالنسبة إلى ما أوحى إليك فيه كما قال تعالى وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ. و قال تعالى كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ. وَ قَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً. مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً. خالِدِينَ فِيهِ وَ ساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا. يعنى من أعرض عن هذا القرآن و اتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد كما
قال في الحديث المروي في المسند و الترمذي عن أمير المؤمنين على مرفوعا و موقوفا من ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه.
و قال الامام أحمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خالد عن الشعبي عن جابر (أن عمر بن الخطاب أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فغضب و قال أ تتهوكون فيها يا ابن الخطاب و الّذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه و الّذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني) اسناد صحيح. و رواه أحمد من وجه آخر عن عمرو فيه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (و الّذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه و تركتموني لضللتم) إنكم حظي من الأمم و أنا حظكم من النبيين)
و قد أوردت طرق هذا الحديث و ألفاظه في أول سورة يوسف. و في بعضها
أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خطب الناس فقال في خطبته (أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم و خواتيمه و اختصر لي اختصارا و لقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا و لا يغرنكم المتهوكون.
ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ. قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا و سميناهم و اليهم تنسب أسباط بنى إسرائيل كلهم و كان أشرفهم و أجلهم و أعظمهم يوسف (عليه السلام) و قد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره و باقي اخوته لم يوح اليهم. و ظاهر ما ذكر من فعالهم و مقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول* و من استدل على نبوتهم بقوله (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ) و زعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلاله بقوى